
1
الأربعاء , 4 نوفمبر 2026
بقلم : فريق سكينة
مراهقو اليوم وصحتهم النفسية: تحديات العصر الرقمي وكيف تتعامل معها
في آخر الليل، حين يهدأ البيت وتُطفأ مصابيحه، قد يبقى في غرفة المراهق ضوءٌ صغير لا ينام. شاشةٌ بحجم الكف، غير أنها تفتح له أبوابًا على مئات الحيوات: هذا أنجح منه، وتلك أجمل، وآخر وجد الصحبة التي يتمناها، ورابع يملك الجرأة التي يفتقدها. يتنقّل بإصبعه بين الوجوه، ثم يغلق الهاتف وقد ازدحم قلبه بما لم يعرف كيف يُسمّيه.
وقد يخرج إليك في الصباح صامتًا أو سريع الغضب، فتظن أن المشكلة في الهاتف وحده. والحقيقة أن الهاتف ليس إلا الباب؛ أما الذي دخل منه فمسّ فهمه للحياة، ونظرته إلى نفسه، وصلته بربه، وعلاقاته، وقدرته على احتمال ما يكره. لهذا لا يستقيم الحديث عن الصحة النفسية للمراهقين إذا حصرناها في عدد الساعات، أو اختصرنا النجاة في تطبيقٍ للرقابة الأبوية.
في النظرية النفسية الشاملة، لا تُرى النفس شظايا متناثرة. بناء الإنسان يمتد في خمسة محاور تتساند: الإيمان والعبادة، وفهم الحياة، والصفات النفسية، والعلاقات، والتعامل مع الأزمات. ومن هذه الخريطة ننظر إلى المراهق في العصر الرقمي: أيُّ معنى يتلقاه؟ وأيُّ صفة تنمو فيه؟ ومن يدخل إلى قلبه كل يوم؟ وكيف يستقبل الحرمان والنقد والانتظار؟
فالسؤال الأعمق ليس: كيف نُبعد أبناءنا عن العالم الرقمي؟ وإنما: كيف نعينهم على دخوله بنفسٍ لها قبلة، وعقلٍ يبصر، وقلبٍ لا يستمد قدره من عيون العابرين؟
كيف أثّرت السوشيال ميديا على نفسية المراهقين؟
جاءت السوشيال ميديا إلى المراهق في زمنٍ تتشكل فيه صورته عن نفسه. كان يسأل قديمًا: مَن أنا؟ فأصبح السؤال أشد ضجيجًا: كيف أبدو؟ مَن يراني؟ وكم شخصًا أعجبه ما رأى؟ وبين السؤالين مسافةٌ بعيدة؛ فالأول قد يقوده إلى معرفة نفسه وإصلاحها، والثاني قد يحبسه في صناعة صورةٍ قابلة للتسويق.
أول ما تمسّه المنصات هو فهم الحياة. ما يظهر فيها ليس اليوم كاملًا، بل لحظته اللامعة؛ ليست العلاقة بكل فتورها وخلافاتها، وإنما صورتها في مناسبة؛ وليس النجاح بسنوات تعبه، وإنما لحظة التتويج. فإذا طال النظر، التبس الجزء بالكل، وصارت الحياة العادية باهتةً في عين صاحبها. يضيق المراهق بيومه لأنه يقارنه بأيامٍ جرى انتقاء أجمل ما فيها، وقد يسخط على أهله أو جسده أو رزقه دون أن يدرك أن الميزان نفسه مختل.
ثم تمسّ الصفات النفسية. الانتقال السريع من مقطعٍ إلى آخر يدرّب النفس على طلب الإثارة القريبة؛ فإن تأخر عنها الملل، غادرت. لكن العلم، والعبادة، وبناء المهارة، والصحبة الصادقة، كلها تحتاج إلى صبرٍ لا تمنحه اللقطة الخاطفة. وهنا لا تصبح القضية تقنية فحسب؛ إنها سؤال عن صفةٍ تتكون: هل يتعلم المراهق احتمال البطء، أم يزداد ضيقًا بكل ما لا يكافئه فورًا؟ هل يملك نفسه حين ترغب، أم تسوقه الرغبة حيث شاءت؟
وتمتد اليد الرقمية إلى العلاقات. قد يجلس أفراد الأسرة في مكانٍ واحد، وكلٌّ منهم غائبٌ في جهة. وقد يصبح صانع محتوى مجهول أشد حضورًا في وعي المراهق من أبيه وأمه؛ يأخذ عنه لغته، وما يستحسنه وما يزدريه، ومعيار الرجولة أو الجمال أو النجاح. ليست الصحبة دائمًا مَن يصافحها ابنك؛ قد تكون وجهًا يراه كل مساء حتى تستقر نبرته في داخله.
أما المقارنة، فهي من أخفى الأبواب التي تُسرق منها سكينة النفس؛ إذ لا يعود المراهق ناظرًا إلى ما آتاه الله، وإنما يزن نفسه كل يومٍ بما يراه عند الآخرين. وقد لخّص د. خالد الجابر أثر ذلك بقوله: «المقارنات تحدد موقعك في السعادة أكثر من القيمة الحقيقية للمال».[1] ولا يكون الخروج من هذا الباب بإقناعه أنه أفضل من غيره، وإنما بإعانته على بناء مقاييسه من الداخل؛ فيرى نموه هو، ويستبصر بما لديه، ويتعلم الشكر الذي يردّ عينه إلى نعمته كلما شردت إلى ما في أيدي الناس.
وقد تمس المنصات الإيمان والعبادة حين يضيع الوقت من غير قصد، أو يعتاد القلب النظر إلى ما يكدّره أو يفسده، أو يصبح قبول الجمهور أحبّ إلى النفس من الصدق مع الله. وقد تكون بابًا إلى علمٍ نافع وصحبةٍ صالحة وتذكيرٍ يوقظ القلب. الأداة واحدة، لكن النفس التي تدخل بها، والمحتوى الذي تختاره، والأثر الذي تخرج به؛ هي التي تكشف موضع النفع والضرر.
لهذا فالعلاقة بين السوشيال ميديا والصحة النفسية لا تُفهم بسؤال «كم ساعة؟» وحده. اسأل أيضًا: ماذا صنعت هذه الساعات في صلاته؟ في رضاه؟ في صبره؟ في علاقته بأهله؟ وفي قدرته على الرجوع إلى واقعه دون نفور؟ هنا تبدأ الرؤية.
القلق والاكتئاب عند المراهقين: كيف نفرق بين المشاعر العابرة والاضطراب النفسي؟
ليست كل مشاعر الحزن والقلق التي يمر بها المراهق علامةً على اضطرابٍ نفسي؛ فالنفس تتأثر بما تلقاه في الحياة، وقد يثقُلها إخفاقٌ دراسي، أو خلافٌ مع صديق، أو تجربة فقد، ثم تستعيد اتزانها بمرور الوقت. ووجود الألم في هذه المواقف لا يدل على خللٍ في النفس، وإنما يكشف عن بشريتها وقدرتها على التأثر بما تحب وتكره.
ويظهر الفارق حين ننظر إلى المشهد كاملًا، لا إلى الشعور منفردًا. فالعَرَض النفسي قد يرتبط بموقفٍ محدد، ويخف بزواله أو بالتكيف معه، دون أن يعطل حياة المراهق. أما حين يستمر الحزن أو القلق، ويشتد حتى يغيّر نومه ودراسته وعلاقاته، أو يفقده اهتمامه بما كان يحب، فهنا تتجاوز المعاناة حدود التقلب العابر، وتستحق تقييمًا من مختص يستطيع فهمها وتشخيصها.
ومن هذا التفريق ينطلق برنامج «الاضطرابات النفسية الشائعة» في سكينة؛ إذ يساعد على فهم الفرق بين الأعراض النفسية والمرض النفسي، والتعرّف إلى المؤشرات الأساسية للقلق والاكتئاب، ومعرفة الموضع الذي تنتهي عنده التوعية ويصبح الرجوع إلى الطبيب أو المختص هو الخطوة الأنسب.
وفي النظرية النفسية الشاملة، لا يُختزل المراهق في الأعراض التي تظهر عليه، ولا تُفسَّر معاناته بوصفها ضعفًا في الإيمان أو قصورًا في الإرادة. إنه إنسانٌ تتداخل في بنائه علاقته بالله، وفهمه للحياة، وصفاته النفسية، وعلاقاته، وما يمر به من أزمات. وقد يحتاج بعض هذه الجوانب إلى تقويةٍ وإصلاح، بينما يحتاج الاضطراب النفسي إلى تشخيصٍ وعلاج. فلا يحل أحد المسارين محل الآخر، وإنما يلتقيان في غايةٍ واحدة: أن تُفهم معاناة المراهق كما هي، وأن يُعان عليها بما يناسبها.
ما الذي يحتاجه المراهق منك كأهل؟
يحتاج إلى أهلٍ يبصرونه قبل أن يقوموه. فالابن الذي لا يسمع من والديه إلا عند الخطأ، سيفهم القرب على أنه تفتيش، والنصيحة على أنها إعلان اتهام. وربما قال: «أنا بخير» لا لأنه بخير، بل لأنه تعلّم أن الكلام يفتح عليه بابًا من المحاضرات لا بابًا من السكينة.
وفي هذه المرحلة يقف بين حاجتين تبدوان متعارضتين: يريد أن يستقل، ويحتاج في الوقت نفسه إلى سندٍ لا يفضحه ضعفه. من الحكمة ألا نعامله كطفلٍ لا رأي له، وألا نحمّله استقلال الراشد دفعةً واحدة. نوسّع له مساحة الاختيار بقدر ما ينمو، ونبقي الحدود عند مواضع الضرر. ذلك هو الحنو حين يجاوره الحزم؛ دفءٌ لا يتركه للتيه، وقاعدةٌ لا تهينه.
اسأله عن عالمه قبل أن تحاكمه: مَن يتابع؟ ما الذي يضحكه؟ ما الحساب الذي يخرج منه ساخطًا على نفسه؟ وقد لا يجيب من المرة الأولى. لا بأس. العلاقات تُبنى بالتراكم، والباب الذي يُطرق برفق يُفتح في الوقت الذي يعجز العنف عن اقتحامه.
يحتاج أيضًا إلى الإنصاف. لا يصح أن نطالبه بهاتفٍ مغلق أثناء الطعام وهو يرى أعيننا معلقةً بشاشاتنا. ولا أن نمنعه من خصوصيةٍ نطلبها لأنفسنا، ثم نسمي ذلك تربية. للوالدين حق الرعاية والتدخل عند الخطر، وللمراهق قدرٌ من الستر والاحترام. وإذا كانت المراقبة لازمة، فلتكن قواعدها معلومةً سلفًا، لا كمينًا يُنصب له كلما ساورنا القلق.
ومن إرشاد المراهقين أن نعطيهم مكانًا حقيقيًا في البيت: مهمةً يعتمد عليها غيرهم، ورأيًا يُسمع، وخدمةً للأسرة يرون أثرها. مَن لم يجد قيمته في واقعٍ يلمسه، يسهل أن يطلبها في رقمٍ يظهر تحت صورته. والانتماء لا يُلقَّن في درس؛ يُذاق حين يعرف الابن أن غيابه يترك فراغًا، وأن حضوره نافعٌ ومحبوب.
علامات الخطر التي لا يجب تجاهلها
ليس المقصود أن يراقب الأهل كل انفعالٍ كأنه نذير مرض. المراهقة زمن تغير، وبعض الصمت والعصبية والتردد يمر ثم يهدأ. لكن البصيرة تقتضي ألا نعتاد المشهد حتى يفوتنا ما فيه. انتبه إلى التحول: ابنك كما عرفته، ثم ابنك الآن. ما الذي انطفأ؟ وما الذي اشتد؟ وكم طال ذلك؟
يستحق الأمر عنايةً أكبر حين تجتمع عدة تغيرات أو تعطل حياة المراهق، مثل:
- حزنٍ ثقيل أو خوفٍ مستمر يقيّده عن الدراسة أو الخروج أو مخالطة الناس.
- انقطاعٍ عما كان يحبه، وانسحابٍ واضح من الأسرة والأصدقاء.
- اضطرابٍ لافت في النوم أو الطعام أو التركيز، مع تراجعٍ لا يفسره ظرفٌ عابر.
- أفكارٍ مزعجة تستنزفه، أو شعورٍ قاسٍ بالدونية واليأس وانسداد المستقبل.
- سلوكٍ خطر، أو إيذاءٍ للنفس، أو حديثٍ عن الموت وتمنّي الاختفاء.
- خوفٍ مفاجئ من الهاتف، أو حذفٍ مضطرب للحسابات، أو علامات ابتزازٍ وتنمّر.
إذا صرّح بإيذاء نفسه أو بدا الخطر قريبًا، فلا تحوّل اللحظة إلى عظةٍ عن قوة الإيمان، ولا تتركه وحده. ابقَ معه، أبعد عنه ما يمكن أن يؤذيه، واطلب مساعدةً متخصصة عاجلة. حفظ النفس هنا عبادة ومسؤولية، والاستعانة بالطبيب أو المعالج أخذٌ بالسبب، لا خصومة بينه وبين التوكل.
وفي الحالات الأقل إلحاحًا، ابدأ بحوارٍ هادئ، وراقب ما إذا كانت الأعراض تخف أم تستمر. فإذا طال أثرها، أو ازداد تعطيلها لنوم المراهق ودراسته وعلاقاته، فاطلب تقييمًا متخصصًا. ولا تعتمد على المقاطع والمنشورات في تشخيص حالته؛ فدور التوعية أن تساعدك على ملاحظة العلامات وفهمها، أما التشخيص واختيار العلاج فهما من عمل المختص.
كيف تُوجّه استخدام المراهق للتكنولوجيا؟
لا يُقاس أثر الهاتف بعدد الساعات وحده، وإنما بما يتركه في بناء المراهق: هل يزاحم عبادته؟ هل يشوّه فهمه للحياة؟ هل يدرّبه على العجلة وطلب المتعة القريبة؟ هل يضعف علاقته بأسرته؟ وهل أصبح ملجأه كلما واجه ضيقًا أو إخفاقًا؟ فقد تتشابه مدة الاستخدام بين مراهقين، بينما يخرج أحدهما بعلمٍ أو صحبةٍ نافعة، ويخرج الآخر ساخطًا على نفسه، مشتتًا عن واجباته، عاجزًا عن احتمال يومه العادي.
ولهذا يبدأ التوجيه بحوارٍ يكشف الأثر، لا باستجوابٍ يبحث في الهاتف عن مخالفة. اسأل ابنك عمّا يتابعه، وما الذي يجذبه إليه، وكيف تتغير حاله بعده. وقد يكون السؤال البسيط: «ماذا يضيف إليك هذا الحساب؟» أعمق أثرًا من أمرٍ سريع بإلغاء متابعته؛ لأنه ينقل المراهق من تلقي المحتوى إلى النظر فيه والحكم عليه.
ويحتاج البيت إلى مساحاتٍ تبقى بمنأى عن الشاشة؛ حتى لا تبتلع التقنية ما هو أولى منها. تُحفظ أوقات الصلاة، والطعام، ومجلس الأسرة، والدراسة، والنوم، ويتفق الجميع على قواعد واضحة لهذه المساحات. ولا يستقيم أن يُطالب المراهق بما لا يراه في والديه؛ فحين ينشغل الأبوان بهواتفهما ثم يعيبان عليه انشغاله، تفقد القاعدة معناها قبل أن تُطبّق.
أما المقارنات التي تفتحها المنصات، فلا تُعالج بإخبار المراهق أنه أفضل من الآخرين، وإنما بمساعدته على بناء مقاييسه من الداخل. يلتفت إلى ما تعلّمه، والصفة التي حسّنها، والمسؤولية التي أداها، بدل أن يظل منتظرًا رقمًا يخبره بقيمته. فعدد الإعجابات يقيس تفاعل الناس مع صورة، ولا يقيس حقيقة صاحبها ولا مقدار ما نما في نفسه.
ومن المعاني النافعة هنا الندرة المقصودة؛ فلا تكون كل متعة متاحةً في كل وقت، ولا تُجاب كل رغبةٍ لحظة ظهورها. يمكن الاتفاق على فتراتٍ يُترك فيها الهاتف، لا على سبيل العقوبة، وإنما ليتعلم المراهق أن الرغبة يمكن تأجيلها، وأن الملل لا يستلزم الهروب الفوري إلى الشاشة. ثم تُملأ هذه المساحة بما يعيد إليه صلته بالحياة: صحبةٌ حقيقية، أو رياضة، أو قراءة، أو عملٌ يقدمه لأسرته ويرى أثره.
وغاية هذه القواعد ألا يبقى المراهق محتاجًا دائمًا إلى مَن يمنعه، بل أن يتكوّن فيه ميزانٌ يعرف به متى ينتفع بالتقنية، ومتى ينسحب منها، وما الذي يسمح له بالدخول إلى قلبه وعقله. فالرقابة قد تحميه ما دام الأهل حاضرين، أما البناء النفسي فيصحبه حين يغيبون.
منهج إسلامي في مساعدة المراهق على بناء هويته
الهوية في المنهج الإسلامي لا تبدأ من السؤال: كيف أتميز عن الناس؟ بل من سؤال أرسخ: لِمَن أنا، ولماذا خُلقت؟ حين يعرف المراهق أنه عبدٌ لله، مكرّمٌ بالتكليف، لا يعود مضطرًا إلى اختراع نفسه كل صباح بحسب ما يصفق له الجمهور. تتبدل أذواق الناس، أما وجهته فتبقى.
يقول الله تعالى: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ﴾ [الحشر: 19]. كأن معرفة النفس لا تكتمل بعيدًا عن معرفة ربها؛ وحين يغيب الأصل، يكثر ما يعرضه الإنسان من ذاته ويقل ما يعرفه عنها.
ومن هنا تصبح الهوية تزكيةً لا لافتة. يبصر المراهق ما في نفسه، ويتعلم الحق، ثم يعمل ويحاسب ويجاهد ويستعين. يبني صدقه حين يغريه التزييف، وعفته حين تستباح الصور، وشجاعته حين يشيع الباطل، وصبره حين لا تأتيه المكافأة عاجلًا. ليست الأخلاق زينةً حول الشخصية؛ هي بعض مادتها.
ويقدم برنامج «قوة البناء النفسي» في سكينة خريطةً تساعد الأهل على النظر إلى بناء المراهق من خلال محاوره الخمسة: الإيمان والعبادة، وفهم الحياة، والصفات النفسية، والعلاقات، والتعامل مع الأزمات.
فهم الحياة يحميه من وهم الكمال المعروض. والصفات تمنحه قدرةً على ضبط نفسه. والعلاقات الصادقة تردّه من الجمهور البعيد إلى مَن يعرفه ويحبه. والتعامل مع الأزمات يعلمه أن رفض الأصدقاء، أو الإخفاق، أو انكسار الصورة، مؤلمٌ لكنه ليس نهاية الطريق. أما الإيمان، فيجمع شتات هذه المعاني تحت غايةٍ واحدة.
ساعدوه كذلك على صنع أثرٍ لا مجرد صناعة صورة: علمٌ يتقنه، وبدنٌ يقويه، ووالدان يبرهما، وصغيرٌ يرحمه، وعملٌ يقدمه ولو لم يره أحد. على الشاشة يستطيع أن يبدو صالحًا أو ناجحًا في لحظة، أما الحياة فتطلب منه أن يصير؛ وبين «أن يبدو» و«أن يصير» تقع مجاهدة النفس كلها.
أن يبقى في البيت موضعٌ للسكينة
لن نرد أبناءنا إلى زمنٍ بلا شاشات، وليس المطلوب أن نخوض حربًا مع عصرهم. المطلوب بيتٌ لا ينافس الهاتف في الضجيج، بل يغلبه بالمعنى؛ بيتٌ يجد فيه المراهق عينًا تراه من غير مرشّح، وأذنًا تسمعه من غير جمهور، وحدودًا تحميه من غير إذلال.
إن حماية نفسية المراهقين لا تبدأ باقتحام الهواتف، بل ببناء الإنسان الذي يحمل الهاتف. فإذا استقام ميزانه في الإيمان والحياة والصفات والعلاقات والأزمات، عرف كيف ينتفع، وكيف ينسحب، وكيف يعود إذا زل. وإذا مرض، وجد أهلًا لا يعيّرونه، ومختصًا يأخذ بيده، وربًّا لا يُغلق بابه.
وهذه لعلها خلاصة إرشاد المراهقين في العصر الرقمي: لا تتركه وحده أمام الشاشة، ولا تقف بينه وبينها كالسجّان. سِر إلى جواره حتى يتكون فيه من البصيرة ما يهديه، ومن المجاهدة ما يقويه، ومن الصلة بالله ما يرده كلما تشعبت به الطرق.
المصادر:
- [1] محاضرة الدكتور خالد الجابر: “الأسرة بين ضغط الإنفاق وسكينة التوازن” _ جمعية وئام
مقالات ذات صلة
أكاديمية تعليمية تدريبية في الصحة النفسية العامة والطب النفسي والعلاج النفسي وعلم النفس الإسلامي.
روابط مهمة
أهم البرامج
جميع الحقوق محفوظة @ لسكينة

