logo
الضغوط الزوجية النفسية: كيف تحافظ على صحتك النفسية وعلاقتك في آنٍ واحد؟
Icon

448

Icon

الثلاثاء , 13 أكتوبر 2026

بقلم : فريق سكينة

الضغوط الزوجية النفسية: كيف تحافظ على صحتك النفسية وعلاقتك في آنٍ واحد؟

ليس أثقل ما تفعله الضغوط الزوجية النفسية أنها تُكثر الخلاف، وإنما أنها قد تجعل الإنسان غريبًا عن نفسه؛ يسمع من فمه كلامًا لم يكن يظن أنه يقوله، ويرى في قلبه قسوةً لم يعهدها، ثم ينظر إلى زوجه الذي كان موضع سكنه، فإذا به أقرب الناس إلى موضع ألمه.

فالزواج أن يضع كلٌّ واحدٍ من شخصين شيئًا من ضعفه وأمنه وأحلامه في يد الآخر. لذلك تكون الكلمة فيه أثقل، ويكون الصمت أبعد أثرًا، وتُوجِع الخيبة موضعًا لا يبلغه الغرباء.

وحين يطول الضغط، قد يجد أحد الزوجين نفسه بين طريقين كلاهما مُرّ: إما أن يصمت ليحفظ البيت فيخشى أن يضيع هو، وإما أن ينتصر لنفسه فيخشى أن يضيع البيت. وكأن حفظ النفس وحفظ الميثاق ضدان لا يجتمعان!

لكن هل يريد الإسلام بيتًا قائمًا على نفسٍ منطفئة؟ وهل تكون العناية بالنفس صحيحةً إذا لم ترَ في الزوج الآخر إلا عائقًا أمام راحتها؟

من هنا نحتاج إلى ميزانٍ لا يختار طرفًا ويلغي الآخر؛ فالزواج ميثاقٌ غليظ تُحفظ حرمته وتُؤدى حقوقه، والنفس لها حق الرعاية والتهذيب. وحماية النفس لا تكون بإطلاق انفعالاتها، كما أن الوفاء بالعلاقة لا يعني قبول ما يهدمها. وبين حفظ النفس وحفظ الميثاق تنشأ المساحة التي يمكن أن تصون فيها صحتك النفسية وعلاقتك في آنٍ واحد.

 

كيف تؤثر الضغوط على العلاقة الزوجية؟

تشبه الضغوط ريحًا شديدةً تمر بالبيت؛ قد لا تصنع الشقوق كلها، لكنها تكشف مواضع الضعف فيه. فضيق المال، وإرهاق العمل، والمرض، وتربية الأبناء، وتدخل الأقارب، وتراكم المسؤوليات، أحداثٌ تقع في الخارج، غير أنها لا تظل خارجه؛ بل تعبر إلى النفس، فتلامس تصوراتها وصفاتها ومخاوفها القديمة، ثم تخرج في هيئة كلمةٍ حادة، أو شكوى طويلة، أو فتورٍ وانسحاب.

ولهذا قد يمر زوجان بالظرف نفسه، فلا يخرج منهما الأثر نفسه. فالضغط لا يعمل وحده، وإنما يلتقي بما في النفس: من اعتاد أن يفسر التأخر بأنه إهمال، رآه كذلك في أيام التعب؛ ومن يحمل خوفًا قديمًا من الهجر، سمع في طلب زوجه للهدوء إعلانًا بالابتعاد؛ ومن لم يتعلم احتمال النقص، تلقّى الخطأ العابر وكأنه سقوطٌ للعلاقة كلها.

إننا لا نتألم من الحدث وحده، بل من المعنى الذي أعطيناه له. وربما كان أحد الزوجين صامتًا لأنه مُنهك، بينما يستقبل الطرف الآخر صمته على أنه عقاب. وربما كان كثير السؤال لأنه خائف، بينما يُفهم سؤاله على أنه رقابة. وبين ما قصده أحدهما وما وصل إلى الآخر، تتسع مساحةٌ يسكنها الظن، ثم تُبنى فوق الظن مواقف حقيقية وآلام حقيقية.

وهكذا تدخل العلاقة في دائرةٍ مغلقة: يقترب أحدهما بإلحاحٍ ليطمئن، فيبتعد الآخر ليحمي نفسه من الضغط؛ فيرى الأول ابتعاده برودًا فيزداد إلحاحًا، ويرى الثاني إلحاحه هجومًا فيزداد انسحابًا. ولا يكون واحدٌ منهما قد أراد هدم العلاقة، لكن كلًّا منهما هرب من ألمه بالطريقة التي صنعت ألم الآخر.

ومع تكرار هذه الدائرة، لا يبقى الخلاف حبيس المجلس الذي بدأ فيه. يحمله الإنسان إلى نومه وعمله وعبادته، ويصبح البيت موضع ترقّبٍ بعد أن كان موضع سكن. وهنا تضطرب الصحة النفسية للأسرة؛ فالطاقة التي كان ينبغي أن تُبذل في عمارة الحياة تُستهلك في التأهب والدفاع وإعادة تفسير كل حركة.

غير أن وجود الضغط لا يعني أن الزواج فاشل. أحيانًا يحتاج الزوجان فقط إلى أن يلتفتا فيريا أنهما يقفان وجهًا لوجه، بينما المشكلة الحقيقية تقف بينهما. وحين يقولان: «نحن في مرحلةٍ مرهقة»، بدلًا من: «أنت سبب شقائي»؛ يتغير موضع المعركة، ويعودان شريكين أمام المشكلة، لا مشكلةً أحدهما في حياة الآخر.

 

الأنماط السلبية الشائعة في التواصل بين الزوجين

كثيرٌ من الخلافات يبدأ من أمرٍ صغير، ثم يكبر لأن الحديث انتقل من الموقف إلى الشخص، ومن البحث عن الفهم إلى الرغبة في الإدانة. فلم يعد السؤال: ماذا حدث بيننا؟ بل: أيُّ إنسانٍ أنت حتى تفعل بي هذا؟

عندها تتحول الشكوى إلى حكم: «أنت أناني»، «أنتِ لا تقدّرين شيئًا»، ويُختصر تاريخ الإنسان كله في لحظةٍ واحدة. وليس غريبًا أن يدافع عن نفسه؛ فهو لم يعد يسمع وصفًا لفعلٍ يستطيع إصلاحه، بل يسمع حكمًا على ذاته كلها. فيرد جرحًا بجرح، وتضيع المشكلة الأولى تحت ركام ما قيل بعدها.

ثم يحضر التعميم، ذلك الذي يمنح الغضب ذاكرةً لا تنسى: «أنت دائمًا…»، «لم تفعل يومًا…». ويُفتح أرشيف الأعوام ليشهد في قضيةٍ وقعت منذ دقائق، فلا يعود أحد الزوجين طالبَ حق، بل مدعيًا يريد أن يثبت أن الآخر مذنبٌ على الدوام.

وقد يفسد التواصل الزوجي حين يطالب الإنسان زوجه أن يفهمه بلا بيان: إن أحبني فسيعرف، وإن اهتم بي فلن أحتاج إلى الطلب. فإذا لم يعرف، لم يرَ في الأمر قصورًا بشريًا أو اختلافًا في الطباع، بل رآه برهانًا على ضعف المحبة. وهكذا يُمتحن الزوج الآخر بسؤالٍ لم يسمعه، ثم يُدان لأنه لم يُجب عنه.

ومن أخفى الأنماط أثرًا أن يتحول العطاء إلى دفتر حساب: مَن قدّم أكثر؟ ومَن تنازل أولًا؟ فالعدل مطلوب، والحقوق لا تُهدر باسم المودة، لكن المعروف الذي يُقدَّم اليوم ثم يُستخرج غدًا ورقةً في الخصومة، لم يعد معروفًا يدفئ العلاقة، بل صار دَينًا يثقلها.

وقد يرفع أحد الزوجين صوته حتى يُسمَع، ويصمت الآخر حتى يُشعِر زوجه بغيابه. وليس كل صمتٍ مذمومًا؛ فقد يكون التوقف عن الحديث وقت اشتداد الغضب عين الحكمة. إنما يصبح الصمت مؤذيًا حين يُستعمل للعقوبة والإرباك، ويُترك الآخر معلقًا لا يعرف أهو وقتٌ للهدوء أم إعلانٌ بالهجر.

وفي قاع كثيرٍ من هذه الأنماط رغبةٌ واحدة: أن يعترف الآخر بألمي. غير أن كل طرفٍ يطلب الاعتراف بطريقةٍ تسلب الآخر قدرته على منحه؛ فيصرخ ليُفهَم فيُغلق الصراخ قلب من أمامه، أو ينسحب ليحمي نفسه فيوقظ انسحابه خوف الآخر. وقد لا يكون الخلاف بين قلبين لا يريدان بعضهما، بل بين قلبين أضاعا الطريق.

 

العلاقة الزوجية في الإسلام ودورها في الصحة النفسية

حين سمّى الله عقد الزواج ﴿مِيثَاقًا غَلِيظًا﴾ [النساء: 21]، لم يكن الوصف زيادةً في اللفظ، وإنما تعريفًا بحقيقة الرابطة: عهدٌ لا يليق أن تهزه نزوة غضب، ولا أن تُنتهك حرمته كلما ضاقت النفس. وحين جعل سبحانه بين الزوجين مودةً ورحمةً وسكنًا، لم يعد الزواج مجرد ترتيبٍ اجتماعي، بل صار موضعًا من مواضع بناء النفس وحمايتها.

والسكن لا يعني أن يخلو البيت من الاختلاف، وإنما أن يبقى الإنسان مأمون الكرامة فيه؛ يُرى على ضعفه فلا يُحتقر، ويخطئ فلا تُمحى حسناته، ويبوح بألمه فلا تتحول كلماته يومًا إلى سلاحٍ عليه.

لكن المودة شعور، والمشاعر تتقلب بطبيعتها؛ تقوى حينًا وتضعف حينًا. لذلك لم تجعل الشريعة بقاء حسن العشرة مرهونًا بحرارة الشعور، بل أقامت تحته أرضًا أصلب هي «المعروف»: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء: 19]. فإذا فترت العاطفة بقي الأدب، وإذا اشتد الخلاف بقي العدل، وإذا ضاقت النفس بقي من الدين ما يحجز اللسان واليد عن الظلم.

ومن هنا كانت القاعدة العامة في باب العلاقات في علم النفس الإسلامي -كما يقرر الدكتور خالد الجابر- هي حُسن الخلق. فهو ليس زينةً تُضاف إلى العلاقة بعد استقرارها؛ بل ما تستقر به. وفي البيت تظهر حقيقته؛ لأن الأهل يرون أخلاق الإنسان حين يتعب، وحين يُخالَف، وحين لا ينال ما يريد.

وهنا يجمع الإسلام بين العدل والإحسان: بالعدل تُحفظ الحقوق، وبالإحسان تحتمل الحياة ما لا تضبطه دفاتر الحقوق. فلو وقف كل زوجٍ عند الحد الدقيق لما له، يطلبه كاملًا ويزن كل ما يقدمه، لضاقت العشرة. ولو طُلب من أحدهما أن يتنازل دائمًا كي يبقى البيت، لتحول الإحسان إلى اسمٍ جميلٍ للظلم. ومن هنا يُقيم المنظور الإسلامي للعلاقة الزوجية ميزانًا دقيقًا: تغافلٌ يصدر عن قوةٍ ومروءة، لا سكوتٌ يصدر عن خوفٍ وانكسار؛ وعفوٌ يطهّر القلب، لا تنازلٌ يفتح للأذى بابًا جديدًا.

ويأتي قول النبي صلى الله عليه وسلم: «لا يَفْرَكْ مؤمنٌ مؤمنةً، إن كره منها خُلُقًا رضي منها آخر» [رواه مسلم] ليعيد الميزان إلى النظرة. فالحديث لا ينكر العيب ولا يزيّنه، لكنه يمنعه من ابتلاع الصورة كلها. أما الغضب فيضيء موضعًا مظلمًا في الآخر، ثم يطفئ كل ما عداه.

كذلك لا يحمّل المنظور الإسلامي أيًّا من الزوجين ما لا يطيقه بشر. فهو سكنٌ، لكنه ليس مصدر القيمة المطلق ولا بديلًا عن الصلة بالله. وكلما جعل الإنسان طمأنينته كلها في يده، صار كل تقصيرٍ تهديدًا لكيانه. أما حين يستمد أصل أمنه من علاقته بربه، استطاع أن يحب دون أن يتأله في المحبوب، وأن يطلب حقه دون أن يجعل استجابة الآخر شرطًا لبقائه من الداخل.

 

تقنيات إدارة الخلافات الزوجية بصحة نفسية

لا يبدأ الخلاف الزوجي عند الكلمة التي ارتفع بها الصوت، ولا ينتهي دائمًا عند القضية التي دار حولها الحديث؛ فكثيرًا ما تكون الكلمة آخر ما ظهر من حركةٍ بدأت قبلها في النفس: غضبٌ لم يُهذَّب، أو شكوى استوطنت الداخل، أو رغبةٌ في الغلبة لبست ثوب المطالبة بالحق. ولهذا قد يتعلم الإنسان ألين العبارات، ثم لا يجدها حين يحتاج إليها؛ لأن اللسان لا يسبق النفس طويلًا، وإنما يكشف ما استقر فيها.

ومن هنا لا تكون إدارة الخلاف بحفظ الكلمات وحدها، بل ببناء النفس التي تعرف متى تتكلم، وكيف تختلف، وما الذي لا يبيحه لها غضبها. وهذا هو الفارق بين حلّ المشكلة العارضة والعمل على الصفة التي أنشأتها؛ فقد ينتهي نزاع اليوم باعتذارٍ أو صمت، ثم يعود غدًا في صورةٍ أخرى ما دام الغضب هو الغضب، وسوء الظن هو سوء الظن، وحب الانتصار للنفس لم يمسسه تهذيب.

وأول ما يحتاجه الإنسان في ساعة الخلاف أن يفرّق بين ما يجده في نفسه وما يختار أن يفعله به. فالغضب قد يقع في القلب دون استئذان، أما أن يتحول إلى ظلمٍ أو تجريحٍ أو عدوان، فهنا تبدأ مساحة المجاهدة. وليس كظم الغيظ إنكارًا للغضب، ولا ادعاءً لسكينةٍ لا نشعر بها؛ بل هو أن نشعر باشتعال النفس، ثم نمنع نارها من أن تمتد إلى من أمامنا. وفي هذه المسافة القصيرة بين الانفعال والاستجابة يظهر شيءٌ من القوة النفسية: ألا يقودك كل ما تشعر به، وألا تجعل ألمك حجةً لإيلام غيرك.

وإن غلبت الإنسان نفسه مرةً، فلا يجعل تعثره بابًا لليأس منها أو القسوة عليها؛ وإنما يعود إلى موضع ضعفه فيراه، ويستعين بالله، ثم يستأنف مجاهدته. فبناء القوة النفسية، كما يوضّح الدكتور خالد الجابر، لا يكون بكسر النفس ولا بتدليلها، وإنما بمقاومة استجاباتها السلبية مع الرفق بها في طريق الإصلاح.

ثم يأتي التثبّت؛ لأن الإنسان في غضبه لا يرى الحدث وحده، بل يراه ممتزجًا بخوفه وتجاربه القديمة وما يتوقعه من الآخر. وقد تقع الكلمة في النفس على معنى لم يرده قائلها، ثم يُبنى على هذا المعنى حكمٌ كامل: أنه لا يهتم، أو يتعمد الإيذاء، أو لا يرى المعروف. وهنا يتسع الخلاف حتى يصير الزوج الآخر خصمًا، لا بسبب ما ثبت من فعله، بل بسبب ما نسجته النفس حوله.

والتثبّت لا يعني تزيين الخطأ أو إهدار الألم، وإنما يعني ألا نحمّل الفعل ما لا يحتمل، وألا نأخذ الناس بالظنون. فثمة فرقٌ بين خطأٍ عابر، وصفةٍ متكررة، وأذًى مقصود؛ ولكل واحدٍ منها موضعه من التعامل. وليس من العدل أن نواجه الهفوة كما نواجه الظلم، كما ليس من الرحمة بالنفس أن نسمّي الأذى المتكرر هفوةً كي نهرب من مواجهته.

ومن هنا يحتاج الخلاف إلى ميزانٍ يجمع بين الرفق والقوة؛ فيبدأ الإنسان بما يصلح المقام من حسن البيان والتنبيه، ثم ينتقل إلى الحوار والحزم ووضع الحدود إذا تكرر الضرر. فالعفو ليس استسلامًا، والتغافل ليس غفلةً عن الحق، كما أن الحزم لا يقتضي القسوة. وإنما النضج أن يعرف الإنسان متى يكون تجاوزه إحسانًا، ومتى يصبح سكوته عونًا على استمرار الأذى.

ويبقى حسن الخلق هو الأصل الذي يحكم التواصل الزوجي كله؛ لا لأنه يمنع الاختلاف، بل لأنه يمنع الاختلاف من التحول إلى ظلم. فالخلق يظهر حين تُخالَف رغبة الإنسان، وحين يشعر أن حقه منقوص، وحين يملك أن يؤذي ثم يحجزه دينه ومروءته. عندها تبقى للكلمات حرمتها، ولكل من الزوجين كرامته، وللميـثاق مكانته، فلا يصبح الغضب إذنًا بإسقاط ما بين الزوجين من معروف.

وإذا هدأت الخصومة، فلا يكفي أن يسأل الزوجان: كيف ننهي هذا الخلاف؟ بل يحتاج كل واحدٍ منهما أن يعود إلى نفسه فيسأل: أيُّ صفةٍ تحركت في داخلي؟ وما الذي يتكرر مني كلما خفت أو غضبت؟ فالعمل على الخلاف من سطحه قد يمنح البيت هدوءًا مؤقتًا، أما العمل على الصفات فمن شأنه أن يغيّر الطريق الذي يصل به الخلاف إلى البيت أصلًا.

وهكذا تصبح إدارة الخلاف بابًا من أبواب تزكية النفس، لا حيلةً للانتصار في الجدال. يتعلم فيها الإنسان أن يكظم دون أن يكبت الحق، وأن يعفو دون أن يستسلم للظلم، وأن يحزم دون أن يقسو، وأن يرى ضعف نفسه دون أن ييأس من إصلاحها. وما استقر في النفس أعوامًا لا يتبدل في موقفٍ واحد، لكن كل مرةٍ يحجز فيها الإنسان لسانه عن الظلم، ويتثبت قبل الحكم، ويختار الخلق على هوى اللحظة؛ يضع في بناء العلاقة حجرًا جديدًا، ويقطع في إصلاح نفسه خطوةً لا تضيع عند الله.

 

متى تحتاج الأسرة إلى إرشاد نفسي متخصص؟

أحيانًا لا يعود الزوجان قادرين على رؤية علاقتهما من داخلها؛ فكل واحدٍ يحمل روايته، وكل محاولةٍ للفهم تنتهي إلى الجولة نفسها. هنا لا يكون طلب المختص اعترافًا بانهيار البيت، بل محاولةً لرؤيته من نافذةٍ لم يغشها دخان الخصومة.

وتظهر الحاجة إلى الإرشاد حين يتكرر الخلاف نفسه دون تقدم، أو يطول الهجر، أو يحل التحقير محل العتاب، أو تصبح التهديدات بالانفصال جزءًا من كل نزاع، أو تمتد آثار العلاقة إلى النوم والعمل والعبادة وتربية الأبناء. فالمعيار ليس كثرة الخلاف وحدها، وإنما عجز الزوجين عن إصلاح ما يخلّفه.

وقد يبدو الخلل زوجيًا، بينما يحمل أحد الطرفين معاناةً نفسية تحتاج إلى علاجٍ خاص؛ كالاكتئاب، أو القلق الشديد، أو آثار الصدمات، أو الإدمان. في هذه الحال لا يكفي تدريب الزوجين على الحوار؛ لأن بعض ما يجري بينهما عرضٌ لمشكلةٍ أعمق. وقد يحتاج الأمر إلى علاجٍ فردي، أو إرشادٍ أسري، أو الجمع بينهما.

أما العنف الجسدي، والتهديد، والإكراه، والخوف المستمر، وأفكار إيذاء النفس أو الآخرين؛ فليست مواضع لتجربة جولةٍ أخرى من الحوار الهادئ. الأولوية فيها للأمان وطلب المساعدة المتخصصة والعاجلة. فالصبر مقامٌ يُهذّب النفس، لا ستارٌ يُخفى خلفه الظلم، والميثاق الغليظ لا يُصان بإهدار أحد طرفيه.

وهنا ينبغي التفريق بين التوعية والعلاج: تمنح برامج سكينة الإنسان فهمًا وممارساتٍ تساعده على العمل على نفسه وعلاقاته، أما التقييم والجلسات المتخصصة فموضعها العيادة النفسية. وتقدّم عيادة عوافي الرقمية، بوصفها الذراع العلاجي المتخصص، خدمات الإرشاد الأسري والتربوي والعلاج النفسي. أما الإرشاد الزوجي من منظور إسلامي، فلا يعني إضافة موعظةٍ إلى مجموعةٍ من النصائح النفسية؛ وإنما يعني أن يُفهم الإنسان وعلاقته في ضوء العبودية والأخلاق والحقوق وحدود الطاقة البشرية، وألا يُختزل صلاح الأسرة في بقاء صورتها من الخارج، بينما يدفع الطرف المتضرر وحده ثمن هذا البقاء.

 

كيف يدعم كلٌّ من الزوجين الآخر نفسيًا؟

أن تدعم زوجك لا يعني أن تصلح له العالم، ولا أن تحمل عنه ما كُلّف هو بحمله. الدعم أهدأ من ذلك وأعمق: أن يجد عندك موضعًا يستطيع أن يضع فيه بعض ثقله دون أن يخشى المحاكمة، وأن يشعر أنك ترى تعبه قبل أن تطالبه بتجاوزه.

أحيانًا يحتاج الإنسان إلى حل، وأحيانًا إلى من يسمع ارتباكه حتى تتضح له نفسه. لذلك قد يكون سؤالٌ مثل: «أتريد أن أستمع إليك، أم نفكر معًا فيما يمكن فعله؟» أرحم من اندفاعٍ لتقديم النصائح. فكم من نفسٍ طلبت أذنًا فأُعطيت درسًا، وطلبت مواساةً فذُكّرت بتقصيرها.

ومن حسن الدعم أن تُصدّق الألم دون أن تُثبّت العجز. تقول: «أعلم أن ما تمر به ثقيل»، ثم ترد صاحبك برفقٍ إلى مساحة فعله. فلا تنكر ما يشعر به، ولا تبني له بيتًا داخل دور الضحية. وهذه من أدق الموازنات: رحمةٌ لا تُغرق، وتحريكٌ لا يقسو.

ولا تفترض أن ما يريحك يريح الآخر. قد تطمئن أنت بالكلام، بينما يحتاج زوجك إلى وقتٍ هادئ؛ وقد ترى المساندة في الحلول، بينما يراها هو في أن تحمل عنه مهمةً أثقلته. والمحبة التي لا تتعلم لغة المحبوب قد تبذل كثيرًا، ثم تتعجب لأن عطاءها لم يصل.

وفي تفاصيل الأيام تُبنى مساحةٌ واسعة من الصحة النفسية للأسرة: شكرٌ على جهدٍ صار مألوفًا حتى كاد لا يُرى، وسؤالٌ بعد يومٍ شاق، وحفظٌ للسر وقت الخصومة، ودعاءٌ يسمعه زوجك فيعلم أنه حاضرٌ في قلبك، ووقتٌ لا تكون فيه الهواتف أسبق إلى وجوهنا ممن نعيش معهم. فالبيوت لا تحفظها المواقف الكبرى وحدها؛ كثيرًا ما يحفظها معروفٌ صغيرٌ ظل يتكرر حتى صار في القلب سكنًا.

ومع ذلك، لا تجعل دعمك ذوبانًا. لست مسؤولًا عن شفاء زوجك، ولا يملك هو أن يجعل منك معالجًا دائمًا له. أعنه على طلب المساعدة حين يحتاج، ورافقه دون أن تسلبه مسؤوليته، واحفظ نفسك دون أن تعاقبه على ضعفه. فالعلاقة الناضجة ليست أن يحمل أحد الزوجين الآخر حتى يسقطا، بل أن يسند كلٌّ منهما صاحبه، وهما يسيران إلى الله على قدميهما.

 

خاتمة

لعل الزواج من أكثر العلاقات كشفًا للنفس؛ ففي قربه الطويل تسقط الزينة، وتظهر طريقتنا في الغضب، ومقدار احتمالنا للنقص، وحاجتنا إلى السيطرة، وقدرتنا على الإنصاف حين نكون مجروحين. ومن هنا لا تكون الضغوط الزوجية النفسية أزمةً في الخارج فقط، بل مرآةً تشير إلى الموضع الذي يحتاج فينا إلى بناء.

ولا يعني ذلك تمجيد الألم أو البقاء في كل علاقةٍ مؤذية؛ وإنما ألا نخرج من الخلاف كما دخلناه: نطالب الآخر بكل التغيير، ونترك نفوسنا كما هي. ففي كل موقفٍ مساحةٌ لمجاهدة صفة، أو تصحيح تصور، أو طلب حق، أو وضع حد، أو استعانة بمن يعلم.

إن حفظ النفس وحفظ الميثاق لا يفترقان حين نفهمهما على وجههما: تحمي نفسك من ظلم غيرك، وتحميها كذلك من أن تظلم؛ ترحم ضعفها، ولا تجعل ضعفها قائدًا؛ تطلب حقك، ولا تنسى ما عليك؛ تتغافل حين يكون التغافل فضلًا، وتتكلم حين يصبح الصمت مشاركةً في الأذى.

وهكذا لا يعود الزواج معركةً بين راحتين، بل طريقًا يتعلم فيه اثنان كيف يجمعان بين المودة والعدل، وبين الرحمة والحزم، وبين قبول بشرية أحدهما والسعي في إصلاح ما يستطيعان. ولمن أراد أن يبدأ هذا العمل على بصيرة، تقدّم أكاديمية سكينة دورة «الزوجة الناجحة» مع الدكتور خالد بن حمد الجابر؛ لتعين الزوجين والمقبلين على الزواج على تصحيح تصوراتهم عن الحياة الزوجية، وتقوية بنائهم النفسي، وتعلّم حسن العشرة والتواصل وإدارة الخلافات والضغوط، من منظور علم النفس الإسلامي. وتجمع الدورة بين لقاءات مسجلة وتطبيقات وممارسات حياتية؛ ليجد كلٌّ من الزوجين خطواتٍ يبدأ بها من نفسه، وينعكس أثرها على علاقته بالآخر. فالبيوت لا تتغير بما نعرفه عنها فقط، وإنما بما نُهذّبه في نفوسنا حتى يصير خُلقًا نعيش به.

تعرّف على تفاصيل الدورة واشترك عبر أكاديمية سكينة.

 

 

 

المراجع المستخدمة

  1. د. خالد بن حمد الجابر، كيف ننجح علاقاتنا؟ | بودكاست سكينة.
  2. د. خالد بن حمد الجابر، بناء القوة النفسية | بودكاست بدون ورق.
  3. د. خالد بن حمد الجابر، الأسرة المستقرة نفسيًا.
  4. د. خالد بن حمد الجابر، كيف أتعامل مع الشخص المؤذي؟.

مقالات ذات صلة

Sakenah Academy

أكاديمية تعليمية تدريبية في الصحة النفسية العامة والطب النفسي والعلاج النفسي وعلم النفس الإسلامي.

أهم البرامج

تواصل معنا

البريد الإلكتروني

الهاتف


جميع الحقوق محفوظة @ لسكينة