logo
تزكية النفس وأثرها في تحسين الحالة النفسية
Icon

4621

Icon

الأربعاء , 13 أغسطس 2025

بقلم : أحمد عبد الفتاح محمد الفرماوي

تزكية النفس وأثرها في تحسين الحالة النفسية

الحمد لله الذي خلق الخلق فأحصاهم عددًا، وابتدأهم بنعمه وعطائه ولم يتخذ منهم صاحبةً ولا ولدًا، والصلاة والسلام على سيد ولد آدم نبينا محمد، صلى الله عليه وآله وصحبه والتابعين، وبعد:

فقد جاء الزكاء مبثوثًا في العديد من آيات القرآن الكريم، بمشتقات مختلفة، منها: (زكى، زكَّاها، تُزَكُّوا، تُزَكِّيهم، يُزَكُّون، يُزَكِّي، يُزَكِّيكم، يُزَكِّيهم، تَزَكَّى، يَزَّكَّى، أَزْكى، زَكِيًّا، زَكِيَّة، الزَّكَاة)، في سور: (النور، الشمس، النجم، التوبة، النساء، البقرة، آل عمران، الجمعة، طه، فاطر…) (1).

 

معنى الزكاء في المعاجم العربية

جاء في المعجم الوسيط (2)، في مادة «زكا»: زكا زُكُوًّا، وزكاءً، وزكاةً: نما وزاد. وفلان: صلح. وتنعم وكان في خصب. فهو زكي.

ويقال: هذا الأمر لا يزكو بفلان: لا يليق به. أزكى الشيء: أزكاه وأصلحه وطهّره. الزكية: أرض زكية، أي طيبة خصبة.

 

معنى الزكاء في ضوء كلام المفسرين

جاء في بهجة الأريب في قوله تعالى: ﴿وَذَٰلِكَ جَزَاءُ مَن تَزَكَّىٰ﴾: تطهر من الذنوب بالعمل الصالح. (3)

قال البقاعي في قوله تعالى: ﴿كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِّنكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ﴾: أي يطهركم في أقوالكم وأفعالكم، وينميكم بإنعاش قلوبكم لتشرف بالمعاني الصالحة والأخلاق الطاهرة الموجبة للفوز الدائم والنجاة عما دنس اليهود وأوجب لهم الضلال من مرض القلب بإنكار النسخ وكتم الحق وإفشاء الباطل المثمر مع الضلال للإضلال.

قال الحراني: أنبأهم بأن هذا التنزيل لأنفسهم بمنزلة الغذاء للأبدان، فكما تتنامى أنفسهم بأحكام الكتاب وتلاوة الآيات، وذلك زكاؤها ونماؤها، لتتأكد فيه رغبتهم؛ لأن للمغتذي رغبة في الغذاء إذا تحققه، فمن علم أن التزام الأحكام غذاء لنفسه حرص عليها، ومتى نمت النفس وزكت قويت على ما شأنها أن تناله قواها، كما أن البدن إذا قوي بالغذاء تمكن مما شأنه عمله. (4)

قال الطبري في قوله تعالى: ﴿وَيُزَكِّيكُمْ﴾: ويطهركم من دنس الذنوب. (5)

 

ما المقصود بتزكية النفس؟

فالتزكية والزكاء والزكاة، كل هذه المفاهيم متقاربة؛ فهي تطهير ونمو، وهو المصطلح المشهور: التحلية والتخلية.

ومن ثم فهي طريقة لاكتساب الصفات الحسنة واجتناب الصفات السيئة في كل مجالات الحياة الإنسانية، وليس في الدين فقط. فالجانب الديني أساسي، إلى جانب الجانب الأخلاقي، وجانب العلاقات، وجانب فهمك لنفسك. فالتزكية هي التعبير الإسلامي عن الطريقة التي يتعامل بها الإنسان مع نفسه.

ولذلك فمن القصور أن يرتبط هذا المصطلح بالجانب الديني فقط؛ لأن التزكية في حقيقتها تعني أن يبذل الإنسان جهدًا منهجيًا مستمرًا في إصلاح نفسه وتحسينها في الجوانب المتعددة: الدينية، والنفسية، والحياتية، والعلاقات، والأزمات، وغير ذلك. (6)

 

تزكية النفس وتهذيبها في المنظور النفسي الإسلامي

إن قضية التزكية مركزية وجوهرية في المنظور الإسلامي للنفس، والمقصود بها أن يبذل الإنسان جهدًا منهجيًّا مستمرًّا في إصلاح نفسه وتحسينها في الجوانب المتعددة: الدينية، والنفسية، والحياتية، والعلاقات. وهي رحلة لا تتوقف، ومجرد توقف الإنسان عن تزكية نفسه أو مجاهدتها أو تحسينها يدل على وجود ضعف شديد.

إننا في المنظور الإسلامي نستعمل مصطلح تزكية النفس وإصلاح النفس، بينما في علم النفس الغربي يستعملون مصطلحات تقدير الذات، وتوكيد الذات، وتحقيق الذات. وهذا أحد الفروق الجوهرية بين المدرستين والمنظورين؛ فنحن عندنا التزكية والإصلاح، بينما هم يركزون على تقدير الذات، واحترام الذات، والثقة بالذات.

إن تناول قضية التزكية يثير قضية مهمة يمكن صياغتها في السؤال التالي:

 

هل يمكن تغيير الصفات النفسية؟

هل يمكن أصلًا تغيير الصفات النفسية؟ أم أنها صفات ثابتة جُبلت عليها ولا تستطيع تغييرها؟

إن أي صفة نفسية يمكن تغييرها، لكن لا يلزم أن يكون التغيير جذريًا بالانتقال إلى الضد. فهناك من وُلد ولديه صفات نفسية جيدة، فهو مجبول عليها، ومن ثم لا يحتاج إلى بذل جهد كبير. وهناك من لم يُجبل عليها، ومن ثم يحتاج إلى أن يبذل جهدًا أكبر.

 

خطوات تزكية النفس وإصلاحها

إن المنظور الإسلامي لقضية تزكية النفس يتناولها في ضوء ما يلي:

  1. المراقبة والبصيرة: اعرف نفسك.
  2. العلم: أن تعلم الصواب من الخطأ والتصرف الأمثل.
  3. العمل: أن تمارس ما تعلمته.
  4. المحاسبة والمتابعة: أن تلاحظ كيف تتصرف نفسك وأن تتابعها.
  5. المجاهدة: أن تصبر وتجاهد نفسك على الإصلاح والعلاج.
  6. الاستعانة بالله تعالى.

 

أثر تزكية النفس في تحسين الحالة النفسية

إن تزكية النفس قضية محورية في المنظور الإسلامي؛ كونها تستهدف جوانب متعددة في الإنسان. إنها حالة من الجهاد الدائم التي يهدف المسلم بها إلى إصلاح نفسه باكتساب الفضائل والتخلي عن الرذائل، لنيل مزيد من الرفعة عند الله وفي علاقاته بالناس.

ومن خلال المراقبة والمحاسبة والمجاهدة، يتعرّف الإنسان إلى ما يحتاج إلى إصلاح في نفسه ويسعى إلى تغييره، وهو ما قد يسهم في تحسين الحالة النفسية.

إن انطلاق مفهوم تزكية النفس من الوحي يضفي عليه قوة وعمقًا لم ولن توجدا في المناهج والمنظورات البشرية؛ ذلك أنه يدعو إلى سبر أحوال النفس من الأعماق. ففي الوقت الذي ينادي فيه المنظور الغربي بتقدير الذات والاعتداد بها، يأتي القرآن مناديًا: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا﴾ (8)، بما يزيد عمق الصلة بين الدنيا والآخرة؛ لأن إصلاح النفس جزء من السعي الذي وعد الله بالإثابة عليه، فقال: ﴿وَأَن لَّيْسَ لِلْإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَىٰ ۝ وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَىٰ ۝ ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاءَ الْأَوْفَىٰ﴾ (9).

ـــــــــــــــــــــــــ

المراجع:

  1. المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم، مادة «ز ك و». غير أن عدد المواضع التي ذكرها المصنف ستون، والصواب تسعة وخمسون موضعًا؛ لأنه حصر موضع سورة البقرة، الآية 151، مرتين.
  2. المعجم الوسيط، مادة «زكا»، ص 396-397.
  3. بهجة الأريب، ابن التركماني، مجلد 1، ص 290.
  4. نظم الدرر في تناسب الآيات والسور، مجلد 8.
  5. تفسير الطبري، مجلد 1.
  6. بودكاست سكينة الحلقة 10 | هل تعرف نفسك؟ مع د. خالد بن حمد الجابر
  7. سلسلة العبادة والنفس، الحلقة 8، د. خالد الجابر
  8. سورة الشمس: (9).
  9. سورة النجم: (39-41).

مقالات ذات صلة

Sakenah Academy

أكاديمية تعليمية تدريبية في الصحة النفسية العامة والطب النفسي والعلاج النفسي وعلم النفس الإسلامي.

أهم البرامج

تواصل معنا

البريد الإلكتروني

الهاتف


جميع الحقوق محفوظة @ لسكينة