
6
السبت , 31 أكتوبر 2026
بقلم : فريق سكينة
السكينة في الإسلام: معناها في القرآن وعلاقتها بعلم الأعصاب
كم مرةً ظننّا أن السكينة ستأتينا حين تهدأ الحياة؟ حين ينتهي العمل المتراكم، ويُحسم القرار المعلّق، ويزول المرض، ويطمئن القلب على مَن يحب، وتنتظم الأشياء أخيرًا كما أرادها؟ نبقى نؤجل هدوءنا إلى ذلك اليوم البعيد الذي لا يعكر صفوه شيء، ثم نكتشف أن الحياة لا تمنح أحدًا هذا الصفاء الكامل؛ فما إن يُغلق بابٌ من القلق حتى يُفتح غيره، وما إن تستقر ناحية حتى تضطرب أخرى.
لكن المتأمل في السكينة في الإسلام يجدها على صورةٍ مختلفة تمامًا. لم يذكرها القرآن في مشهدٍ خالٍ من الخوف والألم، وإنما أنزلها الله في الغار، وفي المعركة، وعند البيعة، وفي لحظاتٍ اضطربت فيها الأسباب وضاقت الأرض بما رحبت. كأن السكينة لم تكن مكافأةً تأتي بعد انتهاء العاصفة، وإنما قوةً تُنزّل في القلب وهو يعبرها.
وهنا يتغير السؤال من جذره: فبدلًا من أن نسأل كيف نصنع حياةً لا تقلقنا، نسأل كيف نبني قلبًا يعرف إلى مَن يأوي حين تقلقه الحياة. وبدلًا من البحث عن وسيلةٍ تُسكت الانفعال، نبحث عن المعنى الذي يضعه في موضعه، وعن العمل الذي يبقى ممكنًا رغم حضوره.
فما معنى السكينة؟ وما علاقتها بالطمأنينة النفسية؟ وهل يستطيع علم الأعصاب أن يفسرها؟ أم أنه لا يرى منها إلا ما يظهر في الجسد والدماغ؟ وكيف تتحول الصلاة والذكر وقراءة القرآن من أعمالٍ نؤديها بحكم العادة إلى زادٍ حقيقي للنفس؟
ما معنى السكينة في الإسلام؟
حين نتحدث عن السكينة، قد يخطر في الذهن شخصٌ لا يغضب، ولا يحزن، ولا يخاف، وكأنه بلغ مقامًا لا تمسه فيه انفعالات البشر. وهذه صورةٌ تبدو جميلة، لكنها لا تحترم طبيعة الإنسان التي خلقه الله عليها؛ فالخوف له موضعه، والحزن له موضعه، والنفس تتألم وتتقلب، والجسد يضعف ويتعب. وليست الغاية أن ننتزع هذا كله من الإنسان حتى يهدأ، وإنما أن يتعلم كيف يحمله دون أن يفقد وجهته.
تقدّم النظرية النفسية الشاملة فهمًا للإنسان لا يختزله في جسده، ولا يفصل جسده عن نفسه، ولا يعامله بوصفه عقلًا منفردًا عن الروح والقيم والغاية. ومن هنا لا تكون السكينة مجرد انخفاضٍ في شدة الانفعال، وإنما حالٌ أوسع: انتظامٌ داخلي يستعيد فيه الإنسان رؤيته الصحيحة لنفسه وربه والحياة، فيسكن اضطرابه بالقدر الذي يعينه على الصبر، ويحفظ عليه عمله، ويرده إلى ما ينبغي عليه فعله.
ولهذا يمكن أن يجتمع الحزن والسكينة في قلبٍ واحد؛ لأن الحزن استجابةٌ لما فُقد، أما السكينة فتتصل بالطريقة التي يحمل بها القلب هذا الفقد. ويمكن أن يوجد الخوف دون أن يتحول إلى جزع، والألم دون أن يتحول إلى اعتراض، والعجز عن تغيير الواقع دون أن يصير عجزًا عن الدعاء أو الصبر أو اختيار الموقف الأخلاقي الصحيح.
وفي حلقة «السكينة السكينة» يعرض الدكتور خالد بن حمد الجابر السكينة بوصفها معنى يمكن التدرب عليه وتحصيل أسبابه، لا حالةً غامضة لا يملك الإنسان أمامها إلا الانتظار. غير أن هذا التدريب لا يعني أن الإنسان يخلق السكينة استقلالًا؛ فهي عطاء من الله، لكنه يهيئ لها قلبه، ويأخذ بأسبابها، ويصلح «المحل القابل» لاستقبالها. وهنا تجتمع ثنائيةٌ دقيقة: فضل الله الذي تتنزل به السكينة، وعمل العبد الذي يفتح لها موضعًا في قلبه.
السكينة في القرآن الكريم: المواضع والمعاني
ورد لفظ السكينة في القرآن الكريم في ستة مواضع. جاء أولها في قصة التابوت: ﴿فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [البقرة: 248]، ثم ورد في غزوة حنين بعد أن ضاقت الأرض على المسلمين وولّوا مدبرين: ﴿ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ [التوبة: 26].
وفي الغار، حين اقتربت المطاردة وبدت المخارج في ميزان الأسباب شديدة الضيق، قال الله سبحانه: ﴿إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ﴾ [التوبة: 40]. ثم تكرر ذكرها ثلاث مرات في سورة الفتح: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ﴾ [الفتح: 4]، وقوله: ﴿فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ﴾ [الفتح: 18]، وقوله: ﴿فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى﴾ [الفتح: 26].
والجامع بين أكثر هذه المواضع أنها لم تأتِ بعد انكشاف الغيب وظهور النتيجة، بل جاءت والإنسان ما يزال في قلب الموقف. في حُنين كان اضطرابٌ وتراجع، وفي الغار حزنٌ ومطاردة، وفي الحديبية انتظارٌ وشروطٌ ثقيلة على النفوس. ومع ذلك لم تكن السكينة انسحابًا من الحدث، بل عونًا على التعامل معه.
ويلفتنا أيضًا تكرار فعل «أنزل»، وإضافة السكينة إلى الله: «سكينته»، وبيان موضعها: «في قلوب المؤمنين». فهي ليست فكرةً يرددها العقل حتى يقنع نفسه بأن كل شيء على ما يرام؛ لأن كل شيء قد لا يكون على ما يرام في ميزان الراحة العاجلة. لكنها اتصال القلب بحقيقةٍ أعلى من المشهد القريب: أن لله جنود السماوات والأرض، وأنه يعلم ما في القلوب، وأن معيته لا تغيب حين تضيق الأسباب.
ثم تظهر الثمرة في قوله: ﴿لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ﴾. فالسكينة القرآنية لا تفصل الإنسان عن الحقيقة، بل تعيده إليها؛ ولا تقطع شعوره عن معناه، بل تجعل الألم نفسه موضعًا للصبر والاحتساب والرضا والتوكل. وهذا ما تؤكد عليه رؤية النظرية في التعامل مع الأزمات: لسنا مطالبين بإنكار ثقلها، ولكننا نستقبلها داخل تصورٍ يعرف محدودية الإنسان وكمال الله، ويجمع بين طلب الفرج والقيام بواجب اللحظة.
أما الطمأنينة، فيدل عليها قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [الرعد: 28]. وبين السكينة والطمأنينة النفسية قربٌ ظاهر، غير أن استعمالهما بوصفهما كلمةً واحدة في كل سياق قد يُفقد كلًّا منهما دقته. ويكفينا هنا أن نرى الطريق الذي يجمعهما: قلبٌ يعرف ربه، ويستمد ثباته من ذكره، فلا يبقى رهينةً كاملة لتقلب الظروف.
ما الذي يكشفه علم الأعصاب عن آثار السكينة؟
من السهل أن نقع في أحد طرفين: أن نرفض كل تفسيرٍ مادي للتجربة النفسية بحجة أن الإنسان روح، أو أن نجعل الإنسان كله دماغًا، ونرد الإيمان والخوف والحب والسكينة إلى تفاعلاتٍ عصبية وكيميائية. وكلا الطرفين يغفل جانبًا من حقيقته.
فالإنسان يتأثر بما يقع في جسده؛ يثقله المرض وقلة النوم، وتترك شدة الانفعال أثرها فيه، وتتداخل أحواله النفسية والبدنية على نحوٍ لا يمكن إنكاره. ولذلك لا تعارض النظرية النفسية الشاملة دراسة الدماغ أو الاستفادة من علم الأعصاب. لكنها ترفض أن يتحول المستوى العصبي من جزءٍ في شبكة معقدة إلى تفسيرٍ وحيد يزاحم المعنى الديني والأخلاقي. وهذا ما يوضحه طرح النظرية في سؤال: هل العمليات النفسية مجرد تفاعلات كيميائية؟.
يستطيع علم الأعصاب أن يرصد ما يقع في مجاله: ما يصاحب الانتباه والانفعال والتكرار والممارسة من تغيراتٍ بدنية وعصبية. لكنه لا يملك أداةً تقيس صدق التوكل، أو معنى العبودية، أو منزلة الرضا، أو حقيقة السكينة التي ينزلها الله في قلب عبده. إنه يقرأ الأثر المادي الظاهر، لا الحقيقة كلها.
ومن هنا ينبغي تحرير عبارة ذكر الله وعلم الأعصاب. فإذا رُصد تغيرٌ عصبي يصاحب الذكر أو الصلاة أو تلاوة القرآن، فهذا لا يعني أن الذكر قد أصبح تمرينًا دماغيًا، ولا أن قيمته ثبتت يوم استطاع جهازٌ أن يلتقط بعض آثاره. الوحي هو الذي يعرّفنا منزلة الذكر وغايته، والعلم التجريبي ينظر ـ في حدود أدواته ـ إلى بعض ما يجري في الجسد أثناء الممارسة. والعلاقة بينهما ليست صراعًا، كما أنها ليست مساواة.
كذلك لا يصح أن نطلق اسم السكينة على كل هدوءٍ بدني. قد يهدأ الإنسان لأنه نام، أو أعرض عن المشكلة، أو أجّل مواجهتها، بينما بقيت قناعاته مضطربةً وسلوكه بعيدًا عن الصواب. المؤشر الجسدي يخبرنا أن الاستثارة انخفضت، لكنه لا يخبرنا وحده: لماذا هدأ؟ وعلى أي معنى استقر؟ وماذا سيفعل بعد هدوئه؟ وهذه الأسئلة هي التي تعيد النفس من المختبر إلى الإنسان.
ذكر الله وعلم الأعصاب: أثر الممارسات الإسلامية في النفس والجسد
قد يقع الإنسان في خطأٍ خفي حين يتعامل مع العبادة كما يتعامل مع وصفةٍ سريعة: يقرأ قدرًا من القرآن منتظرًا زوال القلق فورًا، أو يردد الذكر وقلبه غائب ثم يتساءل لماذا لم يشعر بالراحة. وكأن المقصود من العبادة أن تنتج شعورًا بعينه كلما أُديت، لا أن تحقق العبودية وتبني الإنسان على مهل.
في حلقة «العبادة والسكينة» يظهر هذا المعنى بوضوح: الأثر النفسي للعبادة لا ينفصل عن حضور القلب، وفهم المعنى، والاستمرار، وتهيئة النفس. فالقرآن ليس صوتًا هادئًا في خلفية اليوم، والصلاة ليست حركاتٍ تُستعمل لإسكات التوتر، والذكر ليس تكرارًا لفظيًا منزوعًا من دلالته. هذه عبادات تصل الإنسان بربه، وتعيد ترتيب تصوره عن نفسه والدنيا والآخرة، ومن هذه الصلة تنشأ آثارها في القلب والنفس والجسد.
في الصلاة يقف الإنسان مرارًا خارج اندفاع يومه. يكبّر، فيضع ما شغله في موضعه أمام من هو أكبر، ويقرأ، ويركع، ويسجد، ويدعو. لكن هذه المعاني لا تُنال من جسدٍ يؤدي وقلبٍ يفرّ؛ فهي تحتاج إلى مجاهدة الحضور، وفهم ما يُقال، والعودة كلما شرد الذهن. ليست السكينة شرطًا سابقًا للصلاة، بل قد تكون ثمرة صحبةٍ طويلة معها.
وفي الذكر لا يهرب الإنسان من واقعه، وإنما يستدعي الحقيقة التي غطّاها ضجيج الواقع. حين يقول: «حسبي الله»، أو يستغفر، أو يحافظ على أذكار الصباح والمساء، فإنه لا يردد أصواتًا محايدة؛ بل يذكّر نفسه بالكفاية والافتقار والرحمة والحفظ. ومع التكرار الواعي لا يبقى المعنى معلومةً بعيدة، وإنما يصبح أقرب إلى القلب ساعة الحاجة.
ومع القرآن تتسع الرؤية التي ضيّقها الألم. يرى الإنسان سنن الابتلاء، وتفاوت الأحوال، وقصص الخوف والنجاة، ومعاني الصبر والرجاء، فيخرج من أسر اللحظة المنفردة إلى قصةٍ أوسع يعرف فيها من هو، ولماذا خُلق، وإلى أين يمضي. ولذلك لا تُختصر الصلة بالقرآن في وردٍ يُفتح وقت الأزمة ثم يُغلق بانتهائها؛ إنها علاقة بناءٍ ممتدة.
وتجتمع هذه الممارسات في معنى واحد: ألا يكون طلب السكينة منفصلًا عن العبودية. فالصلاة بخشوع، والذكر المنظّم، وقراءة القرآن بتدبر، والدعاء عند الكرب، ومجالس العلم والصحبة الصالحة والتفكر؛ ليست وسائل سريعة لإسكات الشعور، وإنما أبوابٌ يعيد بها الإنسان بناء صلته بربه، وتصوره عن نفسه والحياة والابتلاء. وحين تستقيم هذه الصلة، قد لا يختفي الألم، لكنه يعود إلى موضعه؛ فلا يستولي على القلب كله، ولا يحجب عنه المعنى، ولا يسلب الإنسان قدرته على الصبر والعمل.
ما الفرق بين السكينة والسلبية والخمول؟
لو كانت السكينة خمولًا، لكان موضعها الفراش لا الغار، ولكانت ثمرة انقضاء المعركة لا عونًا يُنزله الله في أثنائها. لكن مواضعها القرآنية تربطها بالثبات، وزيادة الإيمان، ولزوم كلمة التقوى؛ أي إنها تعيد للإنسان قدرته على اتخاذ الموقف الصحيح حين يدفعه الاضطراب إلى الفرار أو التسرع أو فقدان الميزان.
السلبية أن يترك الإنسان ما يقدر عليه، ثم يسمي تركه رضا. والخمول أن تثقل طاقته أو تخمد همته، وقد يكون وراءه إرهاقٌ أو مرضٌ أو ضعفٌ يحتاج إلى فهمٍ ورفق وعلاج. أما السكينة فليست تركًا للعمل ولا إنكارًا للضعف؛ إنها أن يعرف الإنسان حدود قدرته، فيبذل السبب داخلها، ويسلّم لله فيما خرج عنها.
وكذلك لا يعني الصبر كتمان الألم حتى يقسو القلب، ولا يعني الرضا أن يتمنى الإنسان البلاء أو يمتنع عن طلب رفعه. في حلقة «الصبر والرضا: رؤية نفسية» يتضح الفرق بين هذه المقامات وبين المكابرة والخمول. قد يدعو المؤمن بالفرج، ويطلب العلاج، ويستشير، ويغيّر ما يستطيع، ويبكي لما أصابه؛ ثم يبقى مع ذلك راضيًا عن ربه، حافظًا للسانه وسلوكه من الاعتراض والتعدي. وهنا لا تلغي السكينة الحركة، بل تنقّيها من الفزع.
كيف تصل إلى السكينة والطمأنينة النفسية يوميًا؟
المشكلة أننا كثيرًا ما نطلب السكينة في اللحظة التي نكون فيها أشد احتياجًا إليها، بينما لم نبنِ قبل ذلك الطريق المؤدي لها. نريد قلبًا ثابتًا في الأزمة، لكننا تركناه طويلًا نهبًا للتشتت، ولم نعوّده الوقوف أو الذكر أو محاسبة النفس. والبناء النفسي ـ كما تطرحه حلقة «البناء النفسي» ـ مشروع عمر، لا إسعافٌ مؤقت نستدعيه حين تتعقد الحياة.
ابدأ بالصلة قبل الحاجة. لا تجعل القرآن دواء طوارئ، ولا الأذكار بابًا لا تطرقه إلا حين تخاف. اختر لنفسك قدرًا ثابتًا تستطيع الاستمرار عليه، واقرأه بتؤدةٍ تسمح للمعنى أن يصل. ليست العبرة بالكثرة التي تنقطع، وإنما بصحبةٍ تتكرر حتى يجد القلب في الكلام طريقًا مألوفًا إلى ربه.
أعد للصلاة زمنها الداخلي. قد يدخل الجسد في الصلاة بينما يبقى القلب عالقًا في المحادثة السابقة والمهمة التالية. خفف انتقالك المفاجئ إليها؛ اترك ما في يدك قبل التكبير بلحظات، واستحضر أنك لا تؤدي مهمةً أخرى، بل تقف بين يدي الله. وإذا شردت فعد، وإذا جفّ شعورك فلا تترك العمل؛ فحضور القلب يُجاهد ولا يُستدعى بالأمر.
سمِّ ما يحدث لك بصدق. قل: أنا خائف، أو حزين، أو غاضب، دون أن تجعل الانفعال حكمًا على إيمانك كله. رؤية الحال كما هي بداية التعامل معها. ثم اسأل: ما الجزء الذي أملكه الآن؟ أأملك كلمةً أقولها، أو قرارًا أؤجله حتى أهدأ، أو سببًا أبذله، أو شخصًا أستعين به؟ وما الجزء الذي لا أملكه ولا طريق لي فيه إلا التسليم والدعاء؟ بهذه الموازنة لا يبتلعك وهم السيطرة، ولا تسقط في مغلوبيةٍ تترك فيها ما تستطيع.
درّب سكينتك في التفاصيل الصغيرة. في بطء الوضوء دون إسراف، وفي إغلاق الهاتف وقت الورد، وفي الصمت قبل ردٍّ غاضب، وفي أداء العمل بلا استعجالٍ يبدد حضورك. فالنفس التي اعتادت الاندفاع لا تتحول فجأة إلى نفسٍ متزنة عند الشدائد، وإنما تتعلم على جرعاتٍ تتكرر كل يوم.
احترم جسدك دون أن تختزل نفسك فيه. قد يحتاج اضطرابك إلى نوم، أو راحة، أو علاج، أو مراجعة متخصص، وليس في هذا ما يناقض التوكل. الجسد من جملة الأسباب التي خلقها الله، وإهماله قد يضاعف ما تحمله النفس. وفي المقابل، لا تجعل كل ألمٍ سؤالًا كيميائيًا فقط؛ فقد يحتاج الإنسان مع العلاج إلى تصحيح معنى، أو رد مظلمة، أو تنظيم حياة، أو صحبة صالحة، أو إعادة بناء علاقته بالله.
وفي نهاية اليوم، لا تسأل نفسك سؤالًا مثاليًا: «هل كنت ساكنًا طوال الوقت؟» فهذا مطلب لا يطيقه بشر. اسأل: أين اندفعت؟ وأين عدت؟ ما الذي زاد اضطرابي؟ وما العبادة أو المعنى أو الفعل الذي أعادني؟ ثم خذ من الإجابة تعديلًا صغيرًا لليوم التالي. هكذا تنمو البصيرة، ويصبح تحصيل السكينة ممارسةً حيّة لا أمنيةً معلقة.
ما دلالة اسم «سكينة» في رسالة الأكاديمية؟
في ضوء هذا كله، يمكن قراءة اسم أكاديمية سكينة بوصفه أقرب إلى البوصلة منه إلى الوعد بحياةٍ خالية من الاضطراب. فالسكينة ليست منتجًا سريعًا، ولا معرفةً نظريةً تتراكم في الذهن بينما تبقى النفس على حالها؛ إنها ثمرة تصورٍ صحيح، وعلمٍ نافع، وممارسةٍ تتكرر، وعلاقةٍ بالله تمتد في الرخاء والشدة.
وتعرّف أكاديمية سكينة نفسها بأنها أكاديمية تعليمية تدريبية رقمية، متخصصة في الصحة النفسية العامة والطب النفسي والعلاج النفسي وعلم النفس الإسلامي، وتسعى من خلال برامجٍ مناسبة للثقافة المحلية إلى مساعدة الجمهور على عيش حياةٍ نفسية مستقرة سوية، وإلى بناء المتخصصين والممارسين وتأهيلهم.
ومن هنا يعبّر الاسم عن نوع الإنسان الذي تسعى المعرفة النفسية إلى خدمته: إنسانٌ لا تُفصل روحه عن جسده، ولا مشاعره عن أخلاقه، ولا ألمه عن غايته، ولا يُطلب منه أن يتوقف عن الحزن حتى يكون قويًا. يتعلم كيف يفهم نفسه، ويهذبها، ويأخذ بالأسباب، ويطلب العون، ويظل قلبه موصولًا بربه خلال الرحلة.
فالسكينة في الإسلام لا تعني أن تصمت العاصفة إلى الأبد، وإنما أن يبقى للقلب مأوى حين تعلو. ولا يمنحها علم الأعصاب معناها، وإن استطاع أن يرى بعض آثارها؛ لأن الجهاز يقف عند حدود الجسد، بينما يمتد الإنسان إلى الإيمان والعبودية والأخلاق والغاية.
وربما كانت البداية أبسط مما نظن: صلاةٌ نعود فيها بعد شرود، وذكرٌ نقوله بوعي، وآيةٌ نمكث معها، وسببٌ نبذله، وأمرٌ نعترف أنه ليس بأيدينا فنسلّمه لله. ومن هذه العودة المتكررة يتكوّن الطريق؛ فلا ننتظر السكينة على الضفة الأخرى من الحياة، بل نتعلم كيف نعبر بها.
ولمَن أراد أن يحوّل هذا الفهم إلى تعلّمٍ منظم وممارسةٍ ممتدة، يمكنه استكشاف برامج أكاديمية سكينة، واختيار ما يناسب حاجته ومرحلته في رحلة العمل على النفس.
مقالات ذات صلة
أكاديمية تعليمية تدريبية في الصحة النفسية العامة والطب النفسي والعلاج النفسي وعلم النفس الإسلامي.
روابط مهمة
أهم البرامج
جميع الحقوق محفوظة @ لسكينة

