
434
السبت , 9 مايو 2026
بقلم : أحمد عبد الفتاح محمد الفرماوي
كيف يساعد الإيمان بالآخرة في تحسين الصحة النفسية وتخفيف الحزن؟
الحمد لله الواحد الأحد، الفرد الصمد، الذي لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفوًا أحد، خلق الخلق من العدم، وصيَّرهم شيئًا بعد أن لم يكونوا، والصلاة والسلام على سيد ولد آدم، نبي الهدى محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وبعد:
فقد شاء الله تعالى أن يعرف خلقه عليه مِنَّةً منه وتكرمًا، فكان خلق الإنسان؛ حيث خلقه من العدم، فكان أبونا آدم عليه السلام، قال تعالى: ﴿هَلْ أَتَىٰ عَلَى الْإِنسَانِ حِينٌ مِّنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُن شَيْئًا مَّذْكُورًا﴾ [الإنسان: 1].
وقد حظي هذا الإنسان بكرامة الله تعالى وتشريفه حينما نفخ فيه من روحه، وأسجد له ملائكته، فكانت كرامة عظيمة، ثم خلق له من نفسه من يؤنسه، فكانت أمنا حواء عليها السلام، ثم أسكنهما جنته ودار كرامته، إلى حين جرت أقداره تعالى فهبطا منها إلى الأرض، لتكون بداية حياة الإنسان إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.
وتظهر هنا علاقة الإيمان بالآخرة والصحة النفسية؛ فالنظرة إلى الحياة والموت والابتلاء قد تعين المسلم على التعامل مع الحزن بقدر أكبر من الاتزان.
كيف يهيئ القرآن المسلم نفسيًا للاستعداد للآخرة؟
لقد هيأ الله تعالى نفوسنا لعدم التعلق بالحياة الدنيا بما ذكره في كتابه عن الموت: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ [آل عمران: 185].
ولم يستثنِ نبيَّه، فقال: ﴿وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِّن قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِن مِّتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ﴾ [الأنبياء: 34].
وبيَّن أن الموت مخلوق قبل الحياة، فقال: ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ﴾ [الملك: 2].
ووكّل به ملكًا لقبض الأرواح، فقال: ﴿قُلْ يَتَوَفَّاكُم مَّلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ﴾ [السجدة: 11].
وبيَّن سبحانه أن أحدًا لن يفلت من الموت مهما طال عمره: ﴿أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِككُّمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنتُمْ فِي بُرُوجٍ مُّشَيَّدَةٍ﴾ [النساء: 78].
وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلَاقِيكُمْ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَىٰ عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الجمعة: 8].
وقال سبحانه: ﴿وَلَن يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [المنافقون: 11].
وبيَّن الله تعالى أن نومنا في هذه الحياة صورة نعيش من خلالها الموت كل ليلة، فقال: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَىٰ عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَىٰ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الزمر: 42].
كيف يصوّر القرآن حقيقة الحياة الدنيا؟
وفي بيان حقيقة الحياة، يقول سبحانه: ﴿اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ [الحديد: 20].
وحول ما يعتري المرء فيها من ابتلاءات، قال سبحانه: ﴿لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ﴾ [آل عمران: 186].
وقال تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُم بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ أُولَٰئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾ [البقرة: 155-157].
ولفناء الدنيا أشار سبحانه بقوله: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ وَيَبْقَىٰ وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ [الرحمن: 26-27].
إن هذه الآيات تبين لنا الطريق الأمثل الذي ينبغي أن نعيشه في هذه الحياة، حتى نحفظ هويتنا الحقيقية، وتصح بوصلتنا في هذه الحياة التي تمثل سكنًا مؤقتًا، في مقابل الآخرة التي هي السكن الدائم لنا.
فحيَّ على جناتِ عدنٍ فإنها منازلُكَ الأولى وفيها المخيَّمُ
ولكننا سبيُ العدوِّ فهل ترى نعودُ إلى أوطاننا ونسلَّمُ؟ (1)
كيف يؤثر الإيمان بالآخرة في الصحة النفسية؟
إن إحدى القضايا الأساسية في منظور علم النفس الإسلامي هي تصحيح التصورات العليا الكبرى حول الحياة، والدنيا، والغيب، والسعادة، والنجاح، والعلاقات، وما يصح وما لا يصح؛ فهذه التصورات العليا لها أثر كبير جدًا في الصحة النفسية.
فالنظرية النفسية الإسلامية تهتم بالبناء النفسي، وتهتم بأن يبني الإنسان نفسه بناءً قويًا قادرًا على العيش المتوازن في هذه الحياة، وعلى النجاة في الآخرة.
إن من أهم ما يساعد الإنسان على سلامة العيش في هذه الحياة إدراكه للغايات الكبرى من وجوده فيها، وفهمه لوظيفة الحياة، وقدرته على الجمع بين الدنيا والآخرة، وفهمه الحقيقي للسعادة والنجاح، ومن أين يستمد سعادته، ومن أين يستمد تصوراته العليا، وكيف تكون علاقته بالله سبحانه وتعالى، وكيف يتعامل مع نفسه، وأين يركز جهوده في إصلاحها. (2)
لماذا لا يمنع الإيمان البلاء؟
إن بعض الناس يتصور أنه إذا كان مؤمنًا فلا ينبغي أن يصيبه البلاء، ويتساءل: لماذا يأتيني البلاء؟ ولا ينتبه إلى قول النبي صلى الله عليه وسلم:
«أشد الناس بلاءً الأنبياء، ثم الأمثل فالأمثل». (3)
فليست وظيفة الإيمان منع البلاء، ولكن وظيفته إعانتك على الصبر والتحمل إذا وقع البلاء.
كيف يخفف الإيمان بالآخرة الحزن والأزمات؟
إن التذكر المستمر لما يتعلق بالبعد الأخروي يساعد الإنسان على اختراق حدود الزمان والمكان، والانتقال بقلبه إلى عالم آخر لم يره، لكنه موقن بوجوده بسبب النصوص الشرعية. وهذا الانتقال يجعله يدرك معنى الفرج الحقيقي والراحة الحقيقية والأبدية التي لا توجد إلا هناك.
وهذا الإدراك يخفف عنه ما يمر به من أزمات الدنيا، ويجعله يشعر أن هذه الدنيا لا شيء أمام ما ينتظره من نعيم دائم في المستقبل.
وهذه النظرة تجعلك تتأمل أزمتك بصدق ووضوح وصراحة، وتعرف أين النقاط الهشة في نفسك؛ لأن الأزمات غالبًا ما تدخل إلى الإنسان من مناطقه الضعيفة. فقد يكون تعلقه بالدنيا شديدًا، أو تكون لديه هشاشة في جانب الانفعالات، أو ضعف في مفهوم الآخرة، فتأتيه الأزمات من هذه الأبواب.
وهنا ينتبه الإنسان إلى مواطن ضعفه، فيعمل على تقويتها وتعزيزها حتى يستطيع الاستمرار في هذه الحياة بشكل أفضل. (4)
الحياة الإيمانية والسعادة النفسية
إن الجنة المعجلة في هذه الحياة إنما تكون في الحياة الإيمانية والروحانية، وفي العلاقة مع الله، والتصورات العليا، واليقين، والسلامة من الحيرة والشكوك، والرضا والتسليم، وكل ما يدخل في السعادة الإيمانية وما يلحق بها.
وقد قيل: «إن في الدنيا جنةً من لم يدخلها لم يدخل جنة الآخرة». (5)
وهذه هي الحياة الطيبة التي ذكرها الله تعالى في القرآن الكريم: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النحل: 97].
بينما ما يرتبط بالمتاع إنما أُريد به ما يحصله المرء في هذه الحياة مما يحتاجه فيها، وسُمّي بالمتاع لأن المتاع في اللغة العربية يعني الشيء المؤقت الذي يُستعمل زمنًا ثم يُترك ويُغادر. (6)
ويتجلى هنا مفهوم حديث النبي صلى الله عليه وسلم: «الدنيا سجن المؤمن» [رواه مسلم]. وهو لا يتعارض مع السعادة؛ فالمقصود بسجن المؤمن أنه، مقارنةً بما سيحصله في الآخرة، مهما بلغ نعيمه في الدنيا، يظل محدودًا إذا قورن بما أعده الله له في الآخرة. (6)
كيف تعامل الصالحون مع الموت؟
- قال سلمة بن دينار رحمه الله: «كل عمل تكره الموت من أجله فاتركه، ثم لا يضرك متى متَّ». (7)
- وقال كعب الأحبار رضي الله عنه: «من عرف الموت هانت عليه مصائب الدنيا وغمومها». (8)
- وقالت صفية رضي الله عنها: «إن امرأة اشتكت إلى عائشة رضي الله عنها قساوة قلبها، فقالت: أكثري من ذكر الموت يرقَّ قلبك، فرق قلبها، فجاءت تشكر عائشة». (9)
- وقال أحمد بن حنبل رحمه الله: «إذا ذكرت الموت هان عليَّ كل شيء من أمر الدنيا، وإنما هو طعام دون طعام، ولباس دون لباس، وإنها أيام قلائل». (10)
- وقال ابن عجلان رحمه الله: «من جعل الموت نصب عينيه لم يبالِ بضيق الدنيا ولا بسعتها». (11)
- وقال بشر بن الحارث الحافي رحمه الله: «إذا اهتممت لغلاء السعر فاذكر الموت، فإنه يذهب عنك هم الغلاء». (12)
- وقال الحافظ ابن رجب رحمه الله: «في الإكثار من ذكر الموت فوائد؛ منها: أنه يحث على الاستعداد له قبل نزوله، ويقصر الأمل، ويرضي بالقليل من الرزق، ويزهد في الدنيا، ويرغب في الآخرة، ويهون مصائب الدنيا، ويمنع من الأشر والبطر والتوسع في لذات الدنيا». (13)
آثار تصحيح النظرة إلى الدنيا
إن تصحيح النظر إلى الحياة الدنيا، والتعامل معها على أنها الطريق الموصلة إلى الآخرة، له آثار كبيرة على العبد في هذه الحياة، منها:
- الاجتهاد في تحقيق الغاية التي خُلق من أجلها.
- حسن التوكل على الله وتفويض الأمر كله إليه.
- عدم التعلق بالحياة الدنيا؛ لأن هناك حياة أخرى أكمل وأبقى تنتظر الصالحين.
- إعطاء الدنيا ما تستحقه من العمل دون مبالغة.
- تجويد الأعمال وتحسينها، حتى ما كان منها من أعمال الدنيا، مع ابتغاء مرضاة الله من ورائها.
- قلة الحزن على ما فات في هذه الحياة.
الإيمان بالآخرة طريق إلى التوازن النفسي
إن الإيمان بالآخرة ليس مجرد فكرة غيبية، بل هو معنى عميق يؤثر في نفسية الإنسان ونظرته إلى الحياة والابتلاء والسعادة والحزن.
وكلما صحَّ يقين الإنسان بالآخرة، أصبح أكثر قدرة على التوازن النفسي، وتحمل الأزمات، والعيش بطمأنينة ورضا.
ولا يعني ذلك أن المؤمن لا يحزن، أو أن كل ضيق نفسي يزول بالإيمان وحده؛ فقد يحتاج الإنسان أيضًا إلى دعم من حوله أو مساعدة مختص عند الحاجة.
والحمد لله أولًا وآخرًا.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
المصادر:
- الميمية لابن القيم، البيتان (195-196)، مجموع الأبيات والمنظومات لتقريب المحفوظات، ط 1، 1421هـ، سيف الطلال الوقيت، دار ابن خزيمة.
- محاضرة «لماذا علم النفس الإسلامي» للدكتور خالد الجابر
- رواه الترمذي وأحمد والدارمي عن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه.
- محاضرة «يا من تمر بأزمة» للدكتور خالد الجابر
- مدارج السالكين، ابن القيم.
- محاضرة «وصفة السعادة» للدكتور خالد الجابر
- الزهد الكبير، أبو بكر البيهقي.
- حلية الأولياء وطبقات الأصفياء، أبو نعيم الأصبهاني.
- التذكرة بأحوال الموتى وأمور الآخرة، القرطبي.
- تاريخ الإسلام، الإمام الذهبي.
- صفة الصفوة، ابن الجوزي.
- حلية الأولياء وطبقات الأصفياء، أبو نعيم الأصبهاني.
- لطائف المعارف، ابن رجب الحنبلي.
مقالات ذات صلة
أكاديمية تعليمية تدريبية في الصحة النفسية العامة والطب النفسي والعلاج النفسي وعلم النفس الإسلامي.
روابط مهمة
أهم البرامج
جميع الحقوق محفوظة @ لسكينة

