
3104
الأربعاء , 13 أغسطس 2025
بقلم : عبد الله سالم الشمراني
السكينة في العبادة: كيف تهيئ قلبك للشعور بالطمأنينة؟
هل صليت يومًا، أو قرأت القرآن، أو دعوت الله… ولم تشعر بالسكينة التي كنت تنتظرها؟ هل مرّت عليك لحظات في العبادة شعرت فيها أن قلبك غائب، رغم أنك تؤدي كل شيء كما ينبغي؟ هذه الحالة شائعة، وهي لا تعني أن العبادة لا تؤثر، بل قد تشير إلى أن القلب لم يُهَيَّأ بعد لاستقبال أثرها.
تهيئة القلب لتلقي أثر العبادة
من هنا تبدأ الرحلة.
في المنظور الإسلامي، يُعتبر القلب مركز الإنسان الحقيقي. وقد أشار ابن القيم رحمه الله إلى أنّ القلب كالملك بالنسبة لبقية الأعضاء في الجسم، يتصرف فيها كما يتصرف الملك في الجنود. (1) فالقلب ليس مجرد عضو في الجسد، بل هو محل الإيمان، ومستودع النية، ومنطلق الصدق، وميدان التزكية. كل شيء يبدأ من هنا.
القرآن تحدث كثيرًا عن القلب، ووصفه بأوصاف متعددة بحسب حاله: ( قلب سليم، قلب مريض، قلب قاسٍ، قلب منيب، قلب غافل.)
قال الله تعالى: ﴿ فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى ٱلْأَبْصَٰرُ وَلَـٰكِن تَعْمَى ٱلْقُلُوبُ ٱلَّتِى فِى ٱلصُّدُورِ ﴾ [الحج: 46]، وقال أيضًا: ﴿ إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَذِكْرَىٰ لِمَن كَانَ لَهُۥ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى ٱلسَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ ﴾ [ق: 37]. وهذا يؤكد أن الاستعداد لتلقّي الهداية يبدأ من القلب، لا من العقل أو الحواس فقط.
وقد قال ابن القيم رحمه الله: «حياة القلب وإشراقه مادة كل خير فيه؛ وموته وظلمته مادة كل شر فيه». (2)
وفي الحديث الصحيح: «ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب» [متفق عليه].
لهذا سمّى أهل العلم هذا الاستعداد الداخلي بـ «المحل القابل»، أي أن القلب إذا كان قابلًا للهداية والتأثر ذاتي الدافعية، أثّرت فيه الآيات والصلاة والعبادة. وإن لم يكن كذلك، لم ينتفع مهما تعددت الأسباب الخارجية.
القلب كالتراب، والعبادة كالمطر. إن كانت التربة طيبة، أنبتت وأثمرت. وإن كانت صلبة أو سبخة، جفّ فيها كل شيء. فلا يكفي أن تمطر السماء، إن لم تكن الأرض صالحة للإنبات.
وقد تحدث الدكتور خالد الجابر في حلقة العبادة والسكينة عن أهمية «المحل القابل»، وهو تهيئة القلب لاستقبال العبادة. وأشار إلى أن تهيئة القلب تؤدي إلى الوصول إلى السكينة. وأضاف أن هذا الاستعداد الداخلي لا يتعلق فقط بالقلب نفسه، بل أيضًا بالبيئة المحيطة، بمعنى أن صلاح الخارج له دور كبير. يجب أن يكون نمط الحياة والبيئة متوافقة مع العبادة لكي يكون القلب أكثر استعدادًا لاستقبال السكينة. وبيّن أن السكينة هي أحد الأهداف التي نطمح لتحقيقها من خلال العبادة. لكن لا يمكن أن نشعر بالسكينة إلا إذا كان القلب مهيأً لذلك، وإلا فإن العبادة قد تكون غير مؤثرة، وتظل السكينة بعيدة إذا كان القلب مشغولًا أو غافلًا. (3)
إنك قد تسمع موعظة تهز قلبك، بينما غيرك لا يتأثر بها مطلقًا. ليس لأن الموعظة ضعيفة، بل لأن القلوب تختلف: هذا قلب حاضر، وذاك قلب مغلق.
وهنا تبرز أهمية مراجعة الداخل قبل كل عبادة: لا تقف للصلاة وأنت مشوش غافل، ولا تتلو القرآن وعقلك في مكان آخر. سَل نفسك بصدق: هل قلبي جاهز؟ هل أتيت لله بعقلٍ مشتت وقلبٍ مشغول، أم بجوارحٍ ساكنة وقلبٍ مشتاق؟
إنّ من أخطر ما يصيب العبد أن يؤدي العبادة ببدنه، بينما قلبه غائب، لأن الجوهر في الإسلام هو حضور القلب، لا مجرد أداء الظاهر.
فمفتاح التغيّر الحقيقي يبدأ من سؤال بسيط: هل قلبي قابل؟ هل هو مفتوح، أم مغلق؟ حيّ، أم غافل؟ مشتاق، أم مشغول؟
ومن هنا، يبدأ طريق الاستعداد للعبادة.
لماذا لا نشعر بالسكينة في العبادة؟
الغفلة، والانشغال، والتعلق الزائد بالدنيا، والملهيات، والذنوب الصغيرة التي تتراكم، كلها تضعف القابلية. يقول الغزالي رحمه الله: «ومهما تراكمت الذنوب طبع على القلوب، وعند ذلك يعمى القلب عن إدراك الحق وصلاح الدين». (4)
أحيانًا نظن أن قلوبنا قاسية بالفطرة، لكنها فقط مزدحمة. صوت العبادة لا يصل لأن المكان ممتلئ.
وقد نبّه النبي صلى الله عليه وسلم إلى هذا حين قال: «إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب» [متفق عليه].
كيف تهيئ قلبك للعبادة وتشعر بالسكينة؟
فتح القلب للعبادة لا يحدث فجأة، بل بالتدريج.
- خفّف الضجيج من حولك.
- أعد ترتيب وقتك.
- اجعل للقرآن مكانًا ثابتًا في يومك، ولو عشر دقائق.
- صادق الصحبة الطيبة التي تُذكّرك بالله.
- قلّل من المباحات التي تسحبك بهدوء نحو الفتور.
- ابتعد عن المعصية، ولو صغُرت.
وقد كان النبي ﷺ يدعو كثيرًا بقوله: «يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك» [رواه الترمذي]. (6)
اجعل هذا الدعاء رفيقك. لأن تثبيت القلب وفتحه نعمة لا تُنال إلا بتوفيق الله.
هل السكينة في العبادة هي الهدف الوحيد؟
كثير من الناس يدخلون العبادة وهم ينتظرون أثرًا نفسيًا مباشرًا. يسألون: لماذا لم أشعر بالسكينة؟ لماذا لم تهدأ نفسي؟ وكأن الراحة النفسية هي الهدف الوحيد من الصلاة أو الذكر.
لكن الحقيقة أن العبادة ليست وصفة علاجية فورية، ولا وسيلة للراحة السريعة، بل هي إعلان خضوع وعبودية. أنت تصلي لأن الله أمرك، لا لأنك تبحث فقط عن أثر عاطفي. السكينة هدية، نعم، لكنها تأتي في وقتها، وفق حكمة الله، لا وفق توقّعك. العبادة ليست اختبارًا لنتيجتها، بل اختبار لصدق التزامك. هل تستمر حتى وإن لم تشعر بشيء؟ هل تصلي لأنك عبد؟ أم لأنك تنتظر مقابلًا؟
وقد أشار الدكتور خالد الجابر إلى خطأ شائع، وهو أن البعض يريد أثرًا مباشرًا بعد أداء العبادة، بينما هذا الأثر لا يتحصل إلا أن يسبقه مراحل من العبادة والتدرج فيها وتدريب النفس عليها. وهذا يشبه من يريد أن يقطف الثمرة قبل نضجها ولم يراعِ فيها مراحل النضج. (5)
العبادة مشروع طويل، لا لحظة واحدة. هي بناء بطيء، لكنه عميق. ومن يثبت، يثمر.
قال تعالى: ﴿ وَمَا خَلَقْتُ ٱلْجِنَّ وَٱلْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ﴾ [الذاريات: 56]، ولم يقل ليشعروا دائمًا بالطمأنينة. فالمقصد الأعلى هو تحقيق العبودية، لا تحصيل المتعة النفسية.
وقد كتب ابن القيم في مدارج السالكين عن أهل الأهواء: «فإذا جاء الحق معارضًا لطريق رياستهم، طحنوه وداسوه بأرجلهم»، ويقول عنهم: «وإن جاء الحق ناصر لهم أتوا إليه مذعنين لأنه وافق أهوائهم». (7)
فإذا غابت عنك السكينة، لا تظن أنك على خطأ. بل واصل، لأن عبوديتك لله لا تُقاس بما تشعر به، بل بما تفعله رغم ما لا تشعر به.
لماذا تحتاج السكينة إلى صحبة طويلة؟
من يظن أن السكينة ستأتي من أول ركعتين أو أول ورد قرآني، قد يصاب بالإحباط سريعًا. الأثر لا يأتي فجأة، بل يتكون على مهل. يحتاج إلى طول صحبة، إلى تكرار، إلى صبر.
كما لا تُؤتي الرياضة أُكلها من أول تمرين، كذلك لا تُثمر العبادة من أول لحظة. بل لا بد أن يعتاد القلب المواضع، وتلين النفس مع الوقت، ويصبح الذكر مألوفًا، حتى تتسلل السكينة بهدوء.
يقول أبو يزيد رحمه الله: «ما زلت أسوق نفسي إلى الله وهي تبكي، حتى سقتها وهي تضحك». (8)
السكينة لا تؤخذ بل تُعطى
والله يُعطيها لمن يستحق. لمن أعد قلبه، وجهّز أرضه، وسقى بذرة القرب.
ليس مطلوبًا أن تكون مثاليًا، فقط أن تكون حاضرًا. أن تقول لله: ها أنا، على قلّة حيلتي، أتيتك.
وفي الحديث القدسي يقول الله: «من تقرب إلي شبرًا تقربت إليه ذراعًا، ومن تقرب إلي ذراعًا تقربت إليه باعًا، ومن أتاني يمشي أتيته هرولة» أخرجه البخاري. (9)
وحين تبدأ هذه الخطوات، ستشعر بشيء جديد. ليس انبهارًا، بل سكينة هادئة. تسري فيك بهدوء، كأنها تقول: كنتُ هنا طوال الوقت، أنت فقط الآن أصبحت مستعدًا.
﴿ إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَذِكْرَىٰ لِمَن كَانَ لَهُۥ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى ٱلسَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ ﴾ [ق: 37].
ــــــــــــــــــــــــــ
توثيق المراجع:
- ابن القيم، إغاثة اللهفان من مصائد الشيطان، ص 6، دار عالم الفوائد.
- ابن القيم، إغاثة اللهفان من مصائد الشيطان، ص 29، دار عالم الفوائد.
- بودكاست سكينة الحلقة 8 | العبادة والسكينة مع د. خالد بن حمد الجابر.
- الغزالي، إحياء علوم الدين، ص 921، دار الكتاب العربي.
- بودكاست سكينة الحلقة 8 | العبادة والسكينة مع د. خالد بن حمد الجابر.
- الترمذي، السنن، حديث رقم 2140.
- ابن القيم، مدارج السالكين، ص 86، دار عطاءات العلم.
- ابن الجوزي، صيد الخاطر، ص 78، المكتبة العصرية.
- الحديث القدسي، أخرجه البخاري، حديث رقم 6491.
مقالات ذات صلة
أكاديمية تعليمية تدريبية في الصحة النفسية العامة والطب النفسي والعلاج النفسي وعلم النفس الإسلامي.
روابط مهمة
أهم البرامج
جميع الحقوق محفوظة @ لسكينة

