
3181
الأحد , 12 أكتوبر 2025
بقلم : أحمد عبد الفتاح محمد الفرماوي
البناء النفسي في القرآن الكريم وأثره في ضبط الانفعالات
الحمد لله الذي جعل النفس الإنسانية آية من آياته، شاهدة بقدرته وعظيم آلائه، وأعلى من شأنها فأقسم بها في كتابه قائلًا: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا﴾ (1)، والصلاة والسلام على سيد ولد آدم، نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، وعلى آله وصحبه والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد:
النفس في القرآن الكريم
فقد تواتر ذكر النفس في القرآن الكريم في سياقات متعددة؛ فتارة تأتي في سياق الأمر بحفظها والنهي عن إيذائها: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ذَٰلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ (2)، وأخرى ببيان أن الجنات إنما تنال بجهادها: ﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَىٰ فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَىٰ﴾ (3).
ولا يزال القرآن يحدثنا عن النفس حتى ذكر أحوالها، فقال: ﴿إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ (4)، و﴿وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ﴾ (5)، و﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ﴾ (6).
لقد احتفى القرآن بالنفس احتفاءً كبيرًا دلّ عليه تكرار ذكرها؛ حيث بلغ مئتين وخمسًا وتسعين مرة، وفي هذا أعظم دلالة على أهمية هذه النفس والالتفات إليها بما يصلحها ويبنيها وفق المنهج القرآني. وتنبع من هنا أهمية النظر في أثر هذا البناء على الصحة النفسية.
البصيرة بالنفس بداية البناء النفسي
«إن لفت الانتباه للنفس بهذه الصورة في القرآن الكريم يوجب البصيرة -التي تدخل ضمن المراقبة-، والبصيرة تعني الانتباه للنفس، ولرغباتها وشهواتها؛ أن تتعرف على نفسك أكثر، وتكتشف نفسك، وتعرف مواطن القوة والضعف والعلل والعيوب والمخادعات والأمراض، وأن تعرف أين أنت حاليًا؟
إن معرفة الإنسان نفسه من أهم المعينات على إعادة تقييمها؛ لأن النقد والتقييم الذاتي هو أول خطوة في البناء النفسي. فبعض النفوس لديها تعامٍ عن عيوب نفسها، وقلة استبصار بمشكلاتها، ولذلك فإن كثيرًا ممن هذا حالهم يعيش حياته ويموت وهو لم ينتبه ولم يستيقظ من غفلته». (7)
وتُبرز هذه المعاني أهمية البصيرة بالنفس في علم النفس الإسلامي، بوصفها خطوة أولى في البناء النفسي.
أثر البناء النفسي في حياة المسلم
يمكن الإشارة إلى أثر البناء النفسي على العبد في ضوء ما يلي:
- الإفادة من الوظيفة النفسية للعبادات: بحسن تحقيق العبودية لله والتقرب إليه، وتعميق التدين، وتحقيق مرضاة الله سبحانه وتعالى ومغفرة الذنوب والاتصال بالله. (8)
- صلاح الخارج: وهو الأثر المتحقق من العبادة، ويحصله العبد بصورة تنعكس على حياته العامة. (9)
- التخلص من الصفات النفسية السيئة واكتساب الصفات الحسنة: وبذلك ينال الفلاح: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا﴾. (10)
- تحسين الحالة النفسية: وزيادة الطمأنينة والثقة بالله تعالى.
- ضبط الانفعالات: فكلما كان البناء النفسي أعمق وأقوى، كان صاحبه أقدر -بإذن الله- على التحكم في الغضب، وتجنب الاندفاع، والصبر.
كيف يساعد البناء النفسي على ضبط الانفعالات؟
إن العلاقة بين البناء النفسي وضبط الانفعالات تظهر من خلال البيان القرآني للابتلاءات وحقيقة الدنيا؛ حيث يقول الله تعالى:
﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُم بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ (11).
وقال تعالى: ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ﴾ (12)، و﴿لِّكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَىٰ مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ﴾ (13)، و﴿مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَن يُؤْمِن بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾ (14)، و﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي كَبَدٍ﴾ (15).
فمن خلال الآيات السابقة وغيرها من الآيات الكثيرة في القرآن الكريم، يبيّن الله تعالى الصورة المثلى التي ينبغي أن يكون عليها المسلم في هذه الحياة؛ لأنه يمر بأحوال متباينة من الحزن والفرح والسرور، والمنع والعطاء والحرمان، والخفض والرفع، وغيرها. فإذا ما كان بناؤه النفسي قويًا، كان أقدر على تحمّل الأحوال التي تأتي على خلاف مراده ورغباته.
كيف يوجّه القرآن الانفعالات في الأزمات؟
إن المنظور القرآني للبناء النفسي يعيد للمسلم بناءه الحقيقي الذي فيه الأمان، وليس البناء المقتصر على الجسد وحاجاته، فيتمكن من التعبير عن الانفعالات بصورة منضبطة.
فإذا نزل به ما يحزنه من فراق محبوب، أو فوات مرغوب، أو حصول مكروب، كان دعاؤه: إنا لله وإنا إليه راجعون. وإذا نزل به ما يحتاج معه إلى زاد الصبر، كان دعاؤه: ربنا أفرغ علينا صبرًا وتوفنا مسلمين. وإذا عظم به البلاء واشتد به الكرب، تعلّق بقوله تعالى: ﴿أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ﴾ (16). وإذا ضاقت به السبل واحتاج أن يبث شكواه دون أن يعلم بها أحد، تذكّر: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ (17).
لقد رغّب القرآن الكريم المسلم في أجر تحمّل الأذى والصبر عليه من خلال عرض قصص الأنبياء وصبرهم على أقوامهم، وأنواع البلاء التي تعرض لها الصالحون. وفي كل هذا تزكية للنفس بما يعود أثره على صاحبها في ضبط انفعالاته والوصول بها إلى طريق الأمان.
الابتلاء يكشف قوة البناء النفسي
إن الأزمات والابتلاءات التي يمر بها الإنسان، وما يخالف مراد النفوس وأهواءها، تمثّل الاختبار الحقيقي والمعيار الأكيد لمعرفة قوة بنائه النفسي من ضعفه؛ فإنه «لا يزال مستورًا حتى تأتي المصائب فينكشف الإنسان أمام نفسه، ففي هذه الأوقات فقط يتضح صدق الإنسان وقدرته على التعامل مع نفسه والاستبصار بحقيقتها». (18)
البناء النفسي رحلة حياة
إن البناء النفسي رحلة حياة، لا تنتهي إلا بخروج آخر أنفاس العبد وصعود الروح إلى باريها سبحانه وتعالى. وبقدر اجتهاد المسلم في هذه الرحلة، يحقق من ثمراتها وفوائدها ما يعود على نفسه بالقوة والقدرة على احتمال مرارة الصبر وصعوبات الطريق.
والحمد لله أولًا وآخرًا.
ـــــــــــــــــــ
المراجع:
- سورة الشمس: (7).
- سورة الأنعام: (151).
- سورة النازعات: (40-41).
- سورة يوسف: (53).
- سورة القيامة: (2).
- سورة الفجر: (27).
- سلسلة العبادة والنفس، الحلقة 8، محاضرة للدكتور خالد بن حمد الجابر
- سلسلة العبادة والنفس، الحلقة 1، محاضرة للدكتور خالد بن حمد الجابر
- سلسلة العبادة والنفس، الحلقة 2، محاضرة للدكتور خالد بن حمد الجابر
- سورة الشمس: (9).
- سورة البقرة: (155-156).
- سورة العنكبوت: (2).
- سورة الحديد: (23).
- سورة التغابن: (11).
- سورة البلد: (4).
- سورة النمل: (62).
- سورة البقرة: (186).
- محاضرة البناء النفسي للدكتور خالد بن حمد الجابر
مقالات ذات صلة
أكاديمية تعليمية تدريبية في الصحة النفسية العامة والطب النفسي والعلاج النفسي وعلم النفس الإسلامي.
روابط مهمة
أهم البرامج
جميع الحقوق محفوظة @ لسكينة

