
1594
الإثنين , 22 سبتمبر 2025
بقلم : د ريما العودة
أثر اللغة في الصحة النفسية من منظور علم النفس الإسلامي
جاءت النظرية الإسلامية الشاملة بلغةٍ متجددةٍ خاصة، تمزج بين عمق المفهوم ورقة التعبير، فتخاطب العقل والقلب معًا. إنها لغة تنبض بالسكينة، وتمنح النفس توازنها المفقود، وتحرّر الإنسان من ضيق المصطلحات النفسية المادية إلى سعة المعاني القرآنية الرحبة. وبلغة الخطاب النفسي الإيماني العميق، يُعاد بناء النفس على أسس متجذرة في الفطرة والوحي، لا على قوالب مستوردة من ثقافات مغتربة.
بداية الرحلة مع دورة النفس الطيبة
عندما انضممت إلى دورة النفس الطيبة التي أعدّها ويشرف عليها الدكتور خالد الجابر، راودني سؤال بسيط لكنه عميق: ماذا يمكن أن تحتويه هذه الدورة؟
في بداياتها، شعرت بشيء من الصعوبة، ربما لأن المفاهيم كانت جديدة في عرضها، رغم أن جذورها ليست كذلك.
ومع الاستمرار في اللقاءات والنقاشات الجماعية، بدأت أكتشف شيئًا فشيئًا سحر هذه الدورة.
كيف تؤثر اللغة النفسية في بناء الإنسان؟
لقد حملت الدورة في طيّاتها لغةً نفسية جديدة؛ مصطلحات ومفاهيم تنتمي إلى روح الإسلام، وتستند إلى القرآن الكريم والسنة النبوية، لكنها في الوقت ذاته تعبّر عن الإنسان ومشكلاته المعاصرة.
هذه المفاهيم -برغم بساطتها الظاهرة- كانت عميقة الأثر في نفسي؛ تبعث السكينة، وتفتح باب التفكّر، وتعالج الألم النفسي بخطاب يتجاوز الآليات السطحية. ومع التعمق في المادة العلمية، بدأت أدرك أثر اللغة في الصحة النفسية، وأن اللغة النفسية التي نستخدمها ليست مجرد كلمات، بل هي أدوات بناء نفسي وشخصي.
حين تحمل المفاهيم النفسية جذورًا إيمانية، تصبح أكثر قدرة على التأثير الإيجابي، وتسهم في تشكيل سمات الشخصية المؤمنة المتزنة، وتزيد من درجات الإيمان والرضا عن الله، وتعيد تنظيم علاقتنا بأنفسنا، وبالحياة، وبالكون من حولنا.
إن لغة هذه الدورة -التي تمثّل وجهًا من أوجه علم النفس الإسلامي- أثّرت فيَّ بعمق؛ أدخلت على نفسي الطمأنينة والثبات، وبنت داخلي قدرًا من القوة النفسية والاتزان.
بين المصطلحات النفسية المادية واللغة الإيمانية
بدأت ألاحظ كيف أن بعض الكلمات والمفاهيم الدارجة في الثقافة النفسية والإعلامية المعاصرة -رغم شهرتها- تسهم في تشكيل خلل نفسي غير مباشر، مثل مصطلحات التحيزات المعرفية، وتشوه الإدراك، ونقص تقدير الذات.
هذه المصطلحات، وإن كانت مفيدة تحليليًا، فإن تكرارها دون بُعد قيمي يجعلها ترسّخ شعور العجز والانكسار.
خصائص اللغة في علم النفس الإسلامي
أما اللغة في علم النفس الإسلامي، فهي لغة ذات بُعد روحي وتشكيلي؛ لغة تشتق من مفاهيم مثل: الصبر، وحسن الظن، والتفاؤل، والتسليم، والطمأنينة، والرضا… كلمات لم تعد مجرد «أدوات شرح»، بل وسائل شفاء.
وهذا ما يجعل النظرية النفسية الإسلامية -التي يشرف على بنائها الدكتور خالد الجابر تحت مسمى النظرية الإسلامية الشاملة- متميزة؛ فليست اللغة فيها مجرد ناقل للمعرفة، بل هي وسيلة للارتقاء النفسي والروحي.
وقد بات واضحًا لديّ أن الخطاب النفسي الإسلامي يمتلك خصائص لغوية متفرّدة من حيث وزن الكلمة، وحمولتها التصورية، وقدرتها على النفاذ إلى وجدان الإنسان المؤمن.
ولهذا، فالحديث عن علم النفس الإسلامي ليس حديثًا عن نظرية بديلة فقط، بل عن لغة متجددة للحياة، تخرج النفس من ضيق النماذج المادية والاختزالية إلى سعة الإيمان والسكينة.
كيف يوسّع الخطاب النفسي الإسلامي الغايات النفسية؟
وهذا بحد ذاته يوسّع المستهدفات النفسية؛ فتصبح الحياة الطيبة، والسكينة، والرضا، والطمأنينة، وتقوية النفس، وبناء العلاقات الجيدة، والبناء النفسي من الغايات الأساسية لهذا الخطاب. فنخرج بذلك من ضيق النظرية الاختزالية إلى سعة المنظور الإسلامي وشموليته.
اللغة أداة بناء نفسي وهداية
وأخيرًا، فإن اللغة -من منظور علم النفس الإسلامي- ليست مجرد وسيلة للتواصل، بل هي أداة بناء نفسي وهداية. وهي كما قال أهل العلم: «حاملة للمعاني، وصانعة للوجدان».
وهنيئًا لكل من يسلك هذا السبيل العلمي المتجدد، الباحث عن الحياة الطيبة، في عالم ازدادت فيه الحاجة إلى خطاب يعيد الإنسان إلى أصله، ويمنحه الطمأنينة في زمن التوتر.
المصادر:
- لماذا علم النفس الإسلامي مع د. خالد بن حمد الجابر | بودكاست سكينة، الحلقة الأولى.
- دورة النفس الطيبة، د. خالد الجابر.
مقالات ذات صلة
أكاديمية تعليمية تدريبية في الصحة النفسية العامة والطب النفسي والعلاج النفسي وعلم النفس الإسلامي.
روابط مهمة
أهم البرامج
جميع الحقوق محفوظة @ لسكينة

